الصفحة 4 من 7

جماح هذا النمو للمديونية، فتنمو الديون بدرجة أكبر من نمو الثروة، ويصبح الهدف من النشاط الحقيقي هو خدمة الدين بدلًا من تحقيق الرفاه والرخاء الاجتماعي. أي أن التمويل بدلًا من أن يكون وسيلة لبناء الثروة صارت الثروة وسيلة لخدمة الدين.

لكن هذا الأمر لا يمكن أن يستمر كذلك، فتكون النتيجة الحتمية هي تدهور الاقتصاد وفقدان الثروة ونهاية جميع الأطراف: الدائنين والمدينين، تمامًا كما أن النتيجة الحتمية للورم السرطاني هي تدمير الجسم ومن ثم نهاية الورم نفسه الذي كان سببًا في ذلك {جزاء وفاقًا} .

وهذه النتيجة المؤسفة للربا لا علاقة لها بكون الديون نشأت عن ذهب أو فضة أو صورة أخرى من صور التمويل. فطالما كان التمويل منفصلًا ومستقلًا عن النشاط الحقيقي فالنتيجة واحدة: وهي نمو المديونية بعيدًا عن نمو الدخل، ومن ثم انعكاس العلاقة بين التمويل والاقتصاد.

ومما سبق يتبين أن المشكلة ليست في النقود بحد ذاتها وإنما في التمويل. فكل تمويل منفصل عن النشاط الحقيقي فهو يهدد الاقتصاد كما سبق. وهذا مما يبين بعض جوانب الإعجاز في حديث النبي صلى الله عليه وسلم عن الأصناف الستة. فإن تعدد هذه الأصناف والتصريح بجريان الربا فيما يبنها يعني بوضوح أن التمويل لا يقتصر على النقود بل يتعداه إلى السلع الأخرى التي يمكن أن تستخدم للتمويل، خاصة السلع المثلية الضرورية، كالطعام والقوت الضروري ونحوها. ومهما اختلفت المذاهب والآراء في تعليل الأصناف الستة فهي متفقة على حقيقة أن الربا لا يقتصر على النقود. وهذا صريح في التفريق بين النقود والتمويل، وأن الحكم أعم من أن يقتصر على النقود. فمحاولة نفي الربا عن النقود المصرفية تبين غياب التصور لجوهر الربا وعلاقته بالاقتصاد. فالربا ليس خاصًا بالنقود، بل هو عام لكل ما يستخدم للتمويل. وهذه النتيجة كما أنها منطوق نص الحديث النبوي، فهي محل إجماع بين العلماء كافة، كما سبق، فضلًا عن كونها حقيقة اقتصادية عميقة الجذور. وصدق الله تعالى إذ يقول: {وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى} .

أفاض الكاتب في بيان تدهور قيمة العملات الورقية وأنها لذلك فقدت وظيفة الثبات اللازمة لحفظ الثروة. لكنه لم يتعرض للسبب وراء ذلك، وما الذي يجعل الدول تزيد كميات النقد سنة بعد سنة، بل يكتفي بقوله إن ذلك يحصل"لأسباب كثيرة ليس هذا محل شرحها"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت