المتوسط والطويل، كما يصرح بذلك الكاتب نفسه (ص 16) . أما في المدى القصير فإن قيمة العملة تتقلب صعودًا وهبوطًا لأسباب متعددة.
فالقول بأن الفائدة تعويض عن التضخم مناقض للواقع الاقتصادي، بل الفائدة هي من أهم أسباب التضخم المطرد. وعليه فإن ربط الفائدة بالتضخم لا يؤدي إلا إلى مزيد من التضخم، كما هو حال من يشرب ماء البحر، لا يزيده الشرب إلا ظمأ. والشرع الحكيم لا يعالج المرض بما يزيده، بل يتجه لأسبابه فيعمل على إزالتها للتخلص منه رأسًا.
أصاب الكاتب حين انتقد انتشار الحيل الربوية، وهو يرى أنه بدلًا من اللجوء إلى هذه الحيل التي تشوه مظهر الإسلام وتعطل العقل الإنساني، يمكن اختصار الطريق بنفي الربا عن النقود الورقية أصلًا. لكن هذا القول لا يؤدي إلا إلى مزيد من الخلل والاعتلال الاقتصادي، لأنه يسمح بالربا في التمويل، وهو ما يؤدي إلى تدمير الاقتصاد الحقيقي، كما سبق. والخطأ لا يبرر الخطأ، والانحراف لا يبرر الانحراف، فانتشار الحيل الربوية لا يعطينا الحق في أن نختصر الطريق لإباحة الربا، بل العكس هو الصحيح: وهو منع الحيل الربوية أساسًا.
ثم إن الكاتب وقع في نفس المزلق الذي وقع فيه أصحاب الحيل حين لجأ إلى استخدام عبارة"بيع العملة"بدلًا من التعبير عن ذلك بحقيقة الأمر وهو القرض، كما سبقت الإشارة لذلك. فصارت المسألة مجرد تغيير للألفاظ والعبارات، مع أن الجوهر هو نفسه لم يتغير. فهل هذا هو منهج الراسخين في العلم؟
والكاتب مع انتقاده لمنهج الحيل، إلا أنه يشترك معه في تجنب مناقشة حكمة تحريم الربا وبيان آلية تدميره للاقتصاد، وما الذي ينفرد به النظام الإسلامي في استئصال هذا الداء من جذوره. ولهذا فهو يصرح بـ"غموض حكمة تحريم الربا" (ص 6) ، وينقل عن شيخ الإسلام ما حكاه عن بعض العلماء المشهورين في زمانه من استشكال حرمة الربا (عن تفسير آيات، ص 598) . ولذلك فالكاتب يركز في بحثه على العلة ويتجنب الحكمة، إلا في محاولة إباحة الفائدة لجبر الظلم الواقع على المقرض (ص 33) . أما في أسباب نشؤ الظلم أصلًا وكيفية استفحاله، فالحكمة مغيبة ومؤجلة.
ومن المفيد الإشارة لموقف شيخ الإسلام نفسه من الذين استشكلوا حرمة الربا. ويكفي أن يطلع القارئ على النص التالي ليعرف موقفه من هذه القضية:
"حتى بلغني عن بعض المرموقين أنه كان يقول: لا أدري لم حرم الربا، ويرى أن القياس تحليله، وإنما يعتقد التحريم اتباعًا فقط. وهذا المعنى الذي قام في نفس هذا هو الذي"