(ص 26) . وغريب أن يتجنب الكاتب أهم جزء في الموضوع وهو سبب هذا التدهور المطرد في قيمة النقد، وما الذي أجبر الولايات المتحدة على فصل الدولار عن الذهب. إن السبب باختصار يرجع إلى نظام خلق النقود القائم على الفائدة، الذي يجعل من الممتنع وفاء الدين إلا بإصدار نقود إضافية، كما يتضح بأدنى تأمل لآلية النظام النقدي القائم على الفائدة. فالربا أحد أهم الأسباب وراء الانفصال عن الذهب ابتداء، ثم التدهور المستمر في قيمة العملات المصرفية. ولو أن النظام النقدي كان خاليًا من الفائدة وقائمًا على الارتباط العضوي بالنشاط الحقيقي، كما هو مقتضى الأحكام الشرعية، لانتفت هذه العلل التي يجعلها البعض مبررًا للسماح بالربا. فالربا هو سبب المشكلة أصلًا، فمن الممتنع أن يكون هو الحل.
لا يزال كثير من الكتاب يحتجون بالتضخم مبررًا للفائدة، مع أن هذا يناقض الواقع والتاريخ. فالفائدة كانت موجودة قبل فصل الدولار عن الذهب، بل قبل نشؤ العملات الورقية وقبل بروز ظاهرة التضخم المطرد. ثم إن الفائدة التعاقدية تظل موجبة حتى في حالات الانكماش (deflation) حين يصبح معدل نمو الأسعار سالبًا وتزداد القيمة الفعلية للنقود، ويصبح المتضرر من ذلك هو المقترض. لكن الجميع يعلم أن المقرض لا يدفع شيئًا للمقترض في هذه الحالة ليعوضه عن انكماش الأسعار، بل تظل الفائدة موجبة لصالح المقرض. فالفائدة إذن ليست تعويضًا عن القوة الشرائية، لا سلبًا ولا إيجابًا.
وحقيقة الأمر أن الفائدة سبب جوهري من أسباب التضخم، لأنها تجعل الوفاء بالنقد مستحيلًا إلا بمزيد من الاقتراض وإلا بمزيد من إصدار النقد الائتماني، كما سبقت الإشارة لذلك. وهذه مشكلة في أصل النظام النقدي تجعله ينحو دائمًا نحو المزيد من المديونية والمزيد من العرض النقدي، كما هو حاصل بالضبط.
وأما ما أشار إليه الكاتب من أن الفائدة تكبح جماح التضخم وليس العكس (ص 37) ، فهذا يحصل في المدى القصير في حالة الارتفاع الطارئ لمعدل الفائدة، مما يؤدي إلى شح الائتمان ومن ثم الهبوط الاقتصادي. هذا الهبوط بدوره يؤثر سلبًا على الأسعار. أما أثر الفائدة التي يقوم عليها النظام النقدي على المدى المتوسط والطويل فهو النمو المطرد للمديونية وللكتلة النقدية، وهو بالضرورة يؤدي إلى نمو مطرد في مستوى الأسعار ومن ثم هبوط مستمر للقوة الشرائية. ومجال البحث إنما هو في ظاهرة الانخفاض المستمر لقيمة النقود على المدى