والجواب: أنّ العلماء مجمعون على أنّ من اشترى طعاما فليس له بيعه حتى يقبضه، وقد حكى الإجماع ابن المنذر (54 - «الإجماع» لابن المنذر:(132 ) ) -رحمه الله- وأمّا غير الطعام فاختلف فيه الفقهاء على أقوال عديدة لخصها ابن القيم -رحمه الله- في أربعة أقوال:
«أحدها: أنه يجوز بيعه قبل قبضه مكيلا كان أو موزونا وهذا مشهور مذهب مالك واختاره أبو ثور وابن المنذر.
والثاني: أنه يجوز بيع الدور والأرض قبل قبضها وما سوى العقار فلا يجوز بيعه قبل القبض وهذا مذهب أبي حنيفة وأبي يوسف.
والثالث: ما كان مكيلا أو موزونا فلا يصح بيعه قبل القبض سواء أكان مطعوما أم لم يكن وهذا يروى عن عثمان رضي الله عنه وهو مذهب ابن المسيب والحسن والحكم وحماد والأوزاعي وإسحاق وهو المشهور من مذهب أحمد بن حنبل.
والرابع: أنه لا يجوز بيع شيء من المبيعات قبل قبضه بحال وهذا مذهب ابن عباس ومحمد بن الحسن وهو إحدى الروايات عن أحمد» (55 - «تهذيب السنن» لابن القيم المطبوع بحاشية «عون المعبود» :(9/ 382) ، وانظر «بداية المجتهد» لابن رشد: (1/ 888) ، و «المجموع شرح المهذب» للنووي: (10/ 414 ) ) .
هذا، وقد تقدم من كلام ابن عبد البر -رحمه الله- أن التمسك باختلاف العلماء ليس بحجة إجماعا إلا لمن لا بصر له ولا معرفة عنده ولا حجة في قوله، والواجب عند التنازع الرد إلى الله والرسول، كما في قوله تعالى: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء: 59] وترجيح القول المؤيَّد بالدليل الصحيح، والذي يظهر -والعلم عند الله تعالى- أنّ القول بأنّ النهي عامّ في جميع المبيعات قول قوي تنصره الحجج والبراهين، لحديث حكيم بن حزام رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله إني رجل أشتري المتاع، فما الذي يحل لي منها وما الذي يحرم عليّ، فقال: «يَا ابْنَ أَخِي إِذَا ابْتَعْتَ بَيْعًا فَلاَ تَبِعْهُ حَتَّى تَقْبِضَهُ» (56 - سبق تخريجه) ، ولحديث زيد بن ثابت رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «نَهَى أَنْ تُبَاعَ السِّلَعُ حَيْثُ تُبْتَاعُ حَتَّى يَحُوزَهَا التُّجَارُ إِلَى رِحَالِهِمْ» (57 - سبق تخريجه) فهذان الحديثان صريحان في النهي عن بيع كلّ السلع بما فيها الطعام حتى تقبض وتحاز إلى الرحل، ولا يمكن معارضتها بالأحاديث الأخرى التي خصّت النهي بالطعام بحمل العام على الخاص لوجوه:
الأول: أنّ التخصيص إنما تمّ بمفهوم اللقب، وليس بحجة عند جماهير الأصوليين (58 - انظر: «الإنارة شرح كتاب الإشارة» للشيخ محمَّد علي فركوس:(344 ) ) .