الثاني: أنّ ذكر الطعام في النهي ليس لاختصاص الحكم به، لأنه خرج مخرج الغالب الأعمّ حيث كان غالبَ تجارتهم، والغالب لا مفهوم له.
الثالث: أنّ الأحاديث العامّة فيها حكم زائد عن الأحاديث المقتصرة على الطعام، والأخذ بالزائد متحتم، قال ابن حزم -رحمه الله- بعد أن ذكر حديثي ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهما الوارد فيهما ذكر الطعام: «نعم هذان صحيحان إلاّ أنّهما بعض ما في حديث حكيم بن حزام، فحديث حكيم بن حزام دخل فيه الطعام وغير الطعام فهو أعمّ، فلا يجوز تركه لأنّ فيه حكمًا زائدا ليس في خبر ابن عباس وابن عمر» (59 - «المحلى» لابن حزم:(8/ 519 ) )
الرابع: أنّ القياس الأولوي يؤيّد ذلك، فإنّه إذا نُهي عن بيع الطعام قبل قبضه مع قيام حاجة الناس إليه فغيره أولى بالمنع.
الخامس: ولا يؤيّد تخصيصَ الحكمِ بالطعامِ حديثُ ابن عمر رضي الله عنهما أنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «اشترى من عمر بَكْرًا كان ابنه راكبًا عليه، ثمَّ وهبه لابنه قبل قبضه» (60 - أخرجه البخاري(2009) كتاب البيوع، باب إذا اشترى شيئا فوهب من ساعته قبل أن يتفرقا ... ، وابن حبان في «صحيحه» : (7073) ، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما)، أو حديث جابرٍ بن عبد الله رضي الله عنهما أنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم اشترى من جابرٍ رضي الله عنهما جَمَله، وقال: «فَلَمَّا بَلَغْتُ أَتَيْتُهُ بِالجَمَلِ فَنَقَدَنِي ثَمَنَهُ، ثُمَّ رَجَعْتُ فَأَرْسَلَ فِي أَثَرِي فَقَالَ: «أَتُرَانِي مَاكَسْتُكَ لآخُذَ جَمَلَكَ، خُذْ جَمَلَكَ وَدَرَاهِمَكَ فَهُوَ لَكَ» (61 - أخرجه مسلم(498) كتاب «المساقاة» ، وأبو داود (3505) كتاب «الإجارة» ، باب في شرط في بيع، والنسائي (4637) كتاب «البيوع» ، باب البيع يكون فيه الشرط فيصح البيع والشرط، من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما) بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلّم تصرّف في المبيع بالهبة قبل قبضه لأنَّ غايةَ ما في الحديثين جواز التصرُّف في المبيع قبل قبضه بالهبة بغير عِوض، ولا يصلح إلحاقه بالبيع وسائر التصرُّفات؛ لأنَّ البيع معاوضة بعِوض، وكذا الهبة بعِوض، أمَّا الهبة الواقعة من النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم فليست على عِوض فافترق الأمران، وإنما يمكن إلحاق كُلِّ التصرفات التي لا عوض فيها بالهبة، وجواز التصرُّف فيها قبل قبضها وحيازتها دون التصرفات بعوض كالبيع، وبذلك تجتمع الأدلة وتتَّفق ولا تختلف، ويشهد لذلك: الإجماعُ على صِحَّة الوقف والعِتق قبل القبض، لكونهما من التصرفات التي لا عوض فيها (62 - من فتوى للشيخ محمد علي فركوس -حفظه الله- بعنوان: «في اشتراط الإيواء إلى الرِّحال في المعقود عليه بمعاوضة» تحت رقم:(891 ) ) .