فتبيّن ممّا سبق أنّ جميع المبيعات والسلع داخلة في عموم النهي عن بيع السلع قبل حيازتها إلى الرحال وقبضها، وأنّ ما احتج به المانعون من العموم غير صريح ولا قوّة فيه، قال ابن القيم -رحمه الله- بعد حكايته القول الرابع: «وهذا القول هو الصحيح الذي نختاره» (63 - «تهذيب السنن» لابن القيم المطبوع بحاشية «عون المعبود» :(9/ 382 ) ) .
أمّا القول بأن الخلاف لا يرفعه إلا اجتهاد الحاكم إذا قضى برأي فيه فإن ذلك ليس على إطلاقه، قال الشيخ محمد علي فركوس -حفظه الله-: «فلا أعلم خلافًا في الاعتداد بحكم الحاكم إذا ورد حكمه مرتبا على سبب صحيح موافق لحكم شرعي، نصًّا كان أو إجماعًا قطعيا، فحكمه نافذ قطعًا ظاهرًا وباطنًا. ويبقى الإجماع الظني والقياس الجلي موضع اجتهاد واختلاف -كما سيأتي-
أمَّا في المسائل المختلف فيها فإنَّ حكم الحاكم يرفع الخلاف، وهو مقيد بما لا ينقض فيه حكم الحاكم، أمَّا ما ينقض فيه فلا يرفع الخلاف، ومدار نقض الحكم على تبين الخطإ، والخطأ إمَّا أن يكون في السبب أو في الاجتهاد، فإن كان الحكم مرتَّبًا على سبب باطل كشهادة الزور فلا ينفَّذ حكمه، وأمَّا الخطأ في الاجتهاد فينقض وجوبًا بمخالفة نصٍّ صريح من كتاب أو سنة ولو كانت آحادًا، أو مخالفة إجماع قطعي، وينقض -أيضا- وفاقًا لمالك والشافعي بمخالفة القياس الجلي خلافا لأكثر الحنابلة، وزاد مالك أنه ينقض بمخالفة القواعد الشرعية.
وبناء على ما تقدَّم، فإنَّ حكم الحاكم يرفع الخلاف إذا لم ينتقض الحكم بالخطأ في السبب والاجتهاد ويكون حكمه نافذًا ظاهرًا وباطنًا على أرجح القولين خلافًا لمن يرى عدم نفاذه في حقِّ من لا يعتقده.
ويمكن الإفادة بمزيد من المصادر الأصولية المتناولة لهذه المسألة على الترتيب التالي:
-المستصفى للغزالي: 2/ 382. البرهان للجويني: 2/ 1328. المحصول للرازي: 2/ 3/91. الفروق للقرافي: 4/ 40. الإحكام للآمدي: 4/ 203. المنثور للزركشي: 1/ 305. شرح تنقيح الفصول للقرافي: 441. روضة الطالبين للنووي: 11/ 234. مختصر ابن الحاجب والعضد عليه: 2/ 300. تيسير التحرير لبادشاه: 2/ 234. أدب القضاء لابن أبي الدم: 164. إيضاح المسالك للونشريسي: 150. ترتيب الفروق واختصارها للبقوري: 2/ 296. فواتح الرحموت للأنصاري: 2/ 395. جمع الجوامع لابن السبكي: 2/ 391. شرح المنهج المنتخب إلى قواعد المذهب للمنجور: 147» (64 - انظر فتوى: «في الاعتداد بحكم الحاكم في رفع الخلاف» برقم:(457 ) )