حساب أرباح الشركات
بحث أعده
الأستاذ الدكتور أحمد الحجي الكردي
الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم، على سيدنا محمد خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وأصحابه أجمعين، والتابعين، ومن تبع هداهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:
التجارة والصناعة والزراعة معناها العام العمل على تهيئة واستحضار ما ينفع الناس، وما يحتاجونه في معيشتهم، من طعام أو شراب أو لباس أو زينة أو غير ذلك مما يحتاجونه في حياتهم، بقصد توزيعه عليهم، ونقله إليهم، ليرتفقوا به، وينتفعوا منه، ولهذا عدت هذه الأمور من ضروريات المجتمعات كلها عبر التاريخ، فالإنسان بطبيعته يحتاج إلى أشياء كثيرة لاستدامة حياته، ولا يستطيع أن يؤمنها بنفسه كلها، لأن الكثير منها يحتاج إلى إمكانات وخبرات لا تتوفر لكل إنسان، فالمزروعات تحتاج إلى أراض منبتة، وإلى مياه لسقياها، وإلى طرق خاصة لاستنباتها فيها وجنيها منها، وكل ذلك لا يتيسر لكل الناس، وكذلك ما يحتاج إلى صناعة مما يحتاجه الإنسان، فإنه يحتاج إلى خبرات ورأس مال وآلات و ... ، وهذه لا تتيسر لكل إنسان، وربما توفر في قطر ما شيء منها ولم يتوفر في قطر آخر، والناس في ذلك القطر لا يستطيعون الحصول عليه بغير طريق التجارة، ومن هنا تأتي أهمية التجارة والصناعة والزراعة وأثرها في استدامة الحياة الإنسانية على وجه الأرض، وكلما تقدمت المجتمعات وارتقت في سلم الحضارة كلما ازدادت الحاجة إلى هذه الأمور الثلاثة، ومن هنا نرى أن الإسلام شأنه شأن جميع شرائع الأرض، السماوية منها والوضعية، يدعو للتجارة والصناعة والزراعة، ويحس عليها، وينظمها.
ولكن هذه الأمور على أهميتها وضروريتها للناس، قد تصبح أحيانا مصدر شقاء لهم وضيق، فربما استولى الجشع على القائمين عليها، فاحتكروها ومنعوا الناس منها، بقصد إغلائها عليهم وكثرة أرباحهم منها، ومن هنا نرى أن الحكومات كثيرا ما تتدخل في تنظيم أمور الزراعة والصناعة والتجارة، بقصد منع ذلك الجشع أو الحد منه، وذلك عن طريق معاقبة الجشعين أو التسعير عليهم، أو غير ذلك من الطرق التي تختلف من تشريع لآخر، إلا أن هذه الطرق إذا لم تجر في طريقها الصحيح قد تصبح طريقا لعرقلة هذه الأمور والإضرار بها.
وقد اختلفت آراء الناس ومذاهبهم في أمر التضييق على التجار والصناع والزراع أو التوسعة عليهم في أعمالهم، فمن المذاهب ما يرى التضييق عليهم ومراقبتهم في كل حركاتهم، والتخطيط لهم مسبقا في كل تصرفاتهم، ومن ذلك الاتجاه الشيوعي والاشتراكي، ومنها ما يرى إطلاق يدهم في تجارتهم وصناعتهم وزراعتهم، ومن ذلك المذهب الرأسمالي أو المذهب الحر، وكلا المذهبين له سلبياته وإيجابياته، والاتجاه الإسلامي يتميز بين المذهبين السابقين، بأنه جعل الأصل في التجارة والصناعة والزراعة إطلاق يد التجار والصناع والزراع فيها، ولكن ضمن خطوط حمراء وخطوط صفراء لا يتعدونها ولا يجاوزونها، فتُضمن بذلك مصلحة المجتمع، التي هي الهدف الأول شرعا لمشروعية التجارة والصناعة والزراعة، وهذا هو الاتجاه الذي انتهجه الإسلام فيها، وهو الذي يسر طريقها إلى أبعد حدودها، دون أن يسمح للقائمين عليها بتجاوز مصالح عامة الناس.
فالغاية الأولى من تشريع التجارة والصناعة والزراعة في التشريع الإسلامي خدمة المجتمع، وتأمين مصالحه، لأن المجتمع يحتاج إليها جميعا حاجة شديدة، بل حاجة ضرورية، وليست الغاية الأولى منهما تحصيل الربح لمن يقوم بهذه الأمور، ولما كان تحصيل الربح لا بد منه للقائمين بهذه الأمور للاستمرار فيها بحسب طبيعتهم الإنسانية، أباحه الإسلام لهم، ولكنه جعله غاية ثانوية بعد خدمة المجتمع، ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: (التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء) (رواه الترمذي) .