ولم يحدد الشارع الإسلامي للتجار والصناع والزراع مقدارا معينا من الربح، وترك ذلك للعرف والمصلحة العامة، ولكنه شجعهم على عدم التغالي في الربح، وعدم المبالغة فيه، لأن تحديده سوف يعود عليها بالنقض، ويدفع التجار والصناع والزراع إلى تركها أو الغش فيها، وفي ذلك من الأضرار ما فيه، ولكنه شجع على التيسير في أمور البيع والشراء، توجيها وتشجيعا وترغيبا في الأجر والمثوبة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك: (رحم الله رجلا سمحا إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى) (رواه البخاري) ، وجعل الربح الزائد عن المعروف في البلد مكروها ومحاسبا عليه أمام الله تعالى، ولكنه في الوقت نفسه أطلق يد الإمام لتحديد الأسعار إذا غلت ضروريات الناس عن الحد الذي يستطيعه عامتهم، فأجاز له التسعير ومعاقبة التجار الذين يخرجون على ذلك.
لقد شرع الإسلام لاستثمار المال طرقا متعددة، ولكل منها شروط وضوابط، تضمن استمرار هذه الطرق في طريقها الشرعي في تأمين مصالح المجتمع، دون أن تلحق به ضررا، وتضمن في الوقت نفسه للقائم بهذه الطرق ربحا مناسبا يغريه بالقيام بهذه الطرق والاستمرار فيها، بغية الأجر والمثوبة أولا، وبغية الربح ثانيا، من ذلك البيع، والإجارة، والشركة، والمضاربة، والمزارعة، والمساقاة ...
وما دام موضوعنا هذا خاصا بالشركات، فإنني سوف أقصر الكلام عليها في طريقة حساب الربح، وبيان المستحقين له، وطرق توزيعه عليهم.
والربح شرعا هو ما زاد على ثمن الشيء المشترى للتجارة بسبب بيعه، (الخلاصة الفقهية للقروي 1/ 169) ، وقال ابن قدامة في المغني: (الربح هو الفاضل عن رأس المال، وما لم يفضل فليس بربح، ولا نعلم في هذا خلافا) (المغني 5/ 169) ، وجاء في درر الحكام شرح مجلة الأحكام العدلية: (الرِّبْحَ هُوَ نَمَاءُ رَأْسِ الْمَالِ وَمَنْفَعَتُهُ) (درر الحكام 2/ 410) .
وعليه فعلى أرباب المال أو الشركاء في الشركة، تجارية كانت أو صناعية أو .... ، أن يحسبوا -عندما يريدون معرفة ربحهم، لاقتسامه أو التصرف فيه أو غير ذلك، سواء كان ذلك بعد شهر من بدء عملهم أو سنة أو عشر سنوات أو غير ذلك- أن يحسبوا قيمة شركتهم بكل ما فيها من ثوابت ومتحركات مما اشتروه برأس المال الذي دفعوه في ذلك، وذلك بحسب سعر اليوم الذي يجري فيه الحساب والتقويم، سواء كان السعر مرتفعا عن يوم الشراء أو نازلا عنه، ثم يحسموا منه مقدار رأس المال الذي دفعوه بحسب قيمته يوم دفعوه، فإذا فضل بعد ذلك فاضل فهو الربح، وإذا كانت قيمة موجودات الشركة أقل من رأس المال فهو الخسارة.
وتقويم أموال الشركة لبيان الربح والخسارة واستخراج الربح منها -إن وجد- أو لحل الشركة، حق لكل شريك فيها، فله أن يطلبه في كل وقت يرى في نفسه الحاجة إليه، سواء حدد الشركاء مسبقا موعدا معينا لذلك أولا، لأن الشركة كما يقول الفقهاء عقد غير لازم، قال الكمال ابن الهمام في الفتح: (عقد الشركة عقد غير لازم، فإن لكل منهما أن يفسخه إذا شاء) (فتح القدير 6/ 156) .
ولكن إذا طلب أحد الشركاء حساب الربح فيها لقبضه أو لحل الشركة أو لأي غاية كان، وكان حساب ذلك يضر بمصالحها، وجب على طالب التقويم أو الحل للشركة انتظار مدة مناسبة لزوال سبب الضرر، ولا يجوز إنظاره أكثر من ذلك، وعند الاختلاف يحدد القاضي المدة المناسبة باجتهاده، وذلك للقاعدة الفقهية الكلية، وهي نص حديث شريف: (لا ضرر ولا ضرار) رواه ابن ماجه.
ورأس المال عند حسابه يدخل فيه كل ما أنفق في هذه الشركة، تجارية كانت أو صناعية أو زراعية، من قيمة المشتريات التي دخلت فيها، ونقلها، وأجور العمال في تصنيعها، وإقامة الأبنية وشراء الآلات والتأثيث و وذلك بحسب قيمة ذلك في يوم الحصول عليه، سواء كان من الثوابت، كالبناء أو الآلات أو سيارات النقل أو .... ، أو كان من المتحركات، كالبضائع والمواد الأولية والنقود من أي عملة كان و .... ، ويجب الانتباه إلى أن بعض ممتلكات الشركة قد يهبط ثمنه بالاستعمال والقِدم تلقائيا، ولو لم تتغير الأسعار في البلد، كالبناء والآلات وسيارات النقل و ... وبعضها لا يتغير غالبا إلا إذا تغيرت الأسعار، كالبضائع والعملات و .... ، وكل ذلك يحسب حسابه عند التقويم، فيقدر بسعر يومه، فإذا اتفق الشركاء على ذلك كله فبحسب اتفاقهم، وإذا