لكن أكثر فقهاء الحنفيّة وبعض الشّافعيّة عبّروا عنه بالكراهة إذا كان يضرّ بالنّاس، وتصريح الحنفيّة بالكراهة على سبيل الإطلاق ينصرف إلى الكراهة التّحريميّة، وفاعل المكروه تحريمًا عندهم يستحقّ العقاب، كفاعل الحرام، كما أنّ كتب الشّافعيّة الّتي روت عن بعض الأصحاب القول بالكراهة قد قالوا عنه: ليس بشيء.
يتّفق الفقهاء على أنّ الحكمة في تحريم الاحتكار رفع الضّرر عن عامّة النّاس، ولذا فقد أجمع العلماء على أنّه لو احتكر إنسان شيئًا، واضطرّ النّاس إليه، ولم يجدوا غيره، أجبر على بيعه دفعًا للضّرر عن النّاس، وتعاونًا على حصول العيش.
وهذا ما يستفاد ممّا نقل عن مالك رحمه الله تعالى من أنّ رفع الضّرر عن النّاس هو القصد من التّحريم، إذ قال: إن كان ذلك لا يضرّ بالسّوق فلا بأس، وهو ما يفيده كلام الجميع.
هناك ثلاث اتّجاهات:
الاتجاه الأوّل: ما ذهب إليه أبو حنيفة ومحمّد والشّافعيّة والحنابلة أنّه لا احتكار إلاّ في القوت خاصّةً.
الاتّجاه الثّاني: أنّ الاحتكار يجري في كلّ ما يحتاجه النّاس، ويتضرّرون من حبسه، من قوت وإدام ولباس وغير ذلك، وهذا ما ذهب إليه المالكيّة وأبو يوسف من الحنفيّة.
الاتّجاه الثّالث: أنّه لا احتكار إلاّ في القوت والثّياب خاصّةً، وهذا قول لمحمّد بن الحسن.
واستدلّ الجمهور -أصحاب الاتّجاه الأوّل- بأنّ الأحاديث الواردة في هذا الباب بعضها عامّ، كالحديث الّذي رواه مسلم وأبو داود عن سعيد بن المسيّب عن معمر بن عبد اللّه أنّه قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: «من احتكر فهو خاطئ» ، وفي رواية أخرى رواها مسلم وأحمد: «لا يحتكر إلاّ خاطئ» ، وحديث أحمد عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: «من احتكر حكرةً يريد أن يغلّي بها على المسلمين فهو خاطئ» وزاد الحاكم: «وقد برئت منه ذمّة اللّه» .
فهذه نصوص عامّة في كلّ محتكر، وقد وردت نصوص أخرى خاصّة، منها حديث ابن ماجه بسنده: «من احتكر على المسلمين طعامهم ضربه اللّه بالجذام والإفلاس» [15] ، وما رواه أحمد والحاكم وابن أبي شيبة والبزّار وأبو يعلى بلفظ: «من احتكر الطّعام أربعين ليلةً فقد برئ من اللّه وبرئ اللّه منه» [16] وزاد الحاكم: «وأيّما أهل عرصة أصبح فيهم امرؤ جائع فقد برئت منهم ذمّة اللّه» .
وإذا اجتمعت نصوص عامّة وأخرى خاصّة في مسألة واحدة حمل العامّ على الخاصّ والمطلق على المقيّد.
واستدلّ المالكيّة وأبو يوسف بالأحاديث العامّة، وقالوا: إنّ ما ورد من النّصوص الخاصّة فهو من قبيل اللّقب، واللّقب لا مفهوم له.
وأمّا ما ذهب إليه محمّد بن الحسن في قوله الثّاني، فإنّه حمل الثّياب على القوت باعتبار أنّ كلًا منهما من الحاجات الضّروريّة.
يتحقّق الاحتكار في صور بعضها متّفق على تحريمها وهي ما إذا اجتمع فيه كون الشّيء المحتكر طعامًا وأن يحوزه بطريق الشّراء وأن يقصد الإغلاء على النّاس وأن يترتّب على ذلك الإضرار والتّضييق عليهم، وهناك صور مختلف في تحريمها بحسب الشّروط.