التَّسْعِيرُ فِي اللُّغَةِ: هُوَ تَقْدِيرُ السِّعْر، يُقَال: سَعََّّرْتُ الشَّيْءَ تَسْعِيرًا: أَيْ جَعَلْتُ لَهُ سِعْرًا مَعْلُومًا يَنْتَهِي إِلَيْهِ، وَسَعَّرُوا تَسْعِيرًا: أَيِ: اتَّفَقُوا عَلَى سِعْرٍ، وَالسِّعْرُ مَأْخُوذٌ مِنْ سَعَّرَ النَّارَ إِذَا رَفَعَهَا، لأَِنَّ السِّعْرَ يُوصَفُ بِالاِرْتِفَاعِ [1] .
وَالتَّسْعِيرُ فِي اِصْطِلاَحِ الفقهاء: تَقْدِيرُ السُّلْطَانِ أَوْ نَائِبِهِ لِلنَّاسِ سِعْرًا، وَإِجْبَارُهُمْ عَلَى التَّبَايُعِ بِمَا قَدَّرَهُ، وَقَال ابْنُ عَرَفَةَ: حَدُّ التَّسْعِيرِ تَحْدِيدُ حَاكِمِ السُّوقِ لِبَائِعِ الْمَأْكُول فِيهِ قَدْرًا لِلْمَبِيعِ بِدِرْهَمٍ مَعْلُومٍ، وَقَال الشَّوْكَانِيُّ: التَّسْعِيرُ أَنْ يَأْمُرَ السُّلْطَانُ أَوْ نُوَّابُهُ أَوْ كُل مَنْ وَلِيَ مِنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ أَمْرًا أَهْل السُّوقِ أَلاَّ يَبِيعُوا أَمْتِعَتَهُمْ إِلاَّ بِسِعْرِ كَذَا، فَيَمْنَعُ مِنَ الزِّيَادَةِ عَلَيْهِ أَوِ النُّقْصَانِ إِلاَّ لِمَصْلَحَةٍ.
اتَّفَقَ فُقَهَاءُ الْمَذَاهِبِ الأَْرْبَعَةِ عَلَى أَنَّ الأَْصْل فِي التَّسْعِيرِ هُوَ الْحُرْمَةُ، أَمَّا جَوَازُ التَّسْعِيرِ فَمُقَيَّدٌ عِنْدَهُمْ بِشُرُوطٍ مُعَيَّنَةٍ يَأْتِي بَيَانُهَا.
وَاسْتَدَل صَاحِبُ الْبَدَائِعِ لإِِثْبَاتِ الْحُرْمَةِ بِالْمَنْقُول مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ:
أ ... أَمَّا الْكِتَابُ الكريم: فَقَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِل إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} [2] ، فَاشْتَرَطَتِ الآْيَةُ الكريمة في البيع التَّرَاضِيَ، وَالتَّسْعِيرُ قد لا يَتَحَقَّقُ فيِهِ التَّرَاضِي.
وَأَمَّا السُّنَّةُ الشريفة: فَقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ: (لاَ يَحِل مَال امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلاَّ بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ) [3] .
وَاسْتَدَل صَاحِبُ الْمُغْنِي بِمَا رَوَى أَنَسٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَال: (غَلاَ السِّعْرُ فِي الْمَدِينَةِ عَلَى عَهْدِ رَسُول اللَّهِ صَلَّى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَال النَّاسُ: يَا رَسُول اللَّهِ: غَلاَ السِّعْرُ فَسَعِّرْ لَنَا، فَقَال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمُسَعِّرُ الْقَابِضُ الْبَاسِطُ الرَّازِقُ، إِنِّي لأََرْجُو أَنْ أَلْقَى اللَّهَ وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْكُمْ يُطَالِبُنِي بِمَظْلَمَةٍ فِي دَمٍ وَلاَ مَالٍ) [4] . قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَالدَّلاَلَةُ مِنْ وَجْهَيْنِ:
1 -أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُسَعِّرْ، وَقَدْ سَأَلُوهُ ذَلِكَ، وَلَوْ جَازَ لأََجَابَهُمْ إِلَيْهِ.
2 -أَنَّهُ عَلَّل بِكَوْنِهِ مَظْلَمَةً وَالظُّلْمُ حَرَامٌ.
وَبِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّهُ مَرَّ بِحَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَهُوَ يَبِيعُ زَبِيبًا لَهُ فِي السُّوقِ، فَقَال لَهُ: إِمَّا أَنْ تَزِيدَ فِي السِّعْرِ، وَإِمَّا أَنْ تَرْفَعَ مِنْ سُوقِنَا، فَلَمَّا رَجَعَ عُمَرُ حَاسَبَ نَفْسَهُ، ثُمَّ أَتَى حَاطِبًا فِي دَارِهِ، فَقَال لَهُ: إِنَّ الَّذِي قُلْتُ لَكَ لَيْسَ بِعَزِيمَةٍ مِنِّي وَلاَ قَضَاءٍ، إِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ أَرَدْتُ بِهِ الْخَيْرَ لأَِهْل الْبَلَدِ، فَحَيْثُ شِئْتَ فَبِعْ، وَكَيْفَ شِئْتَ فَبِعْ.
وَاسْتَدَلُّوا بِالْمَعْقُول: وَهُوَ أَنَّ لِلنَّاسِ حُرِّيَّةَ التَّصَرُّفِ فِي أَمْوَالِهِمْ، وَالتَّسْعِيرُ حَجْرٌ عَلَيْهِمْ، وَالإِْمَامُ مَأْمُورٌ بِرِعَايَةِ مَصْلَحَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَيْسَ نَظَرُهُ لِمَصْلَحَةِ الْمُشْتَرِي بِرُخْصِ الثَّمَنِ أَوْلَى مِنْ نَظَرِهِ لِمَصْلَحَةِ الْبَائِعِ بِتَوْفِيرِ الثَّمَنِ، وَالثَّمَنُ حَقُّ.
ثُمَّ إِنَّ التَّسْعِيرَ سَبَبُ الْغَلاَءِ، وَالتَّضْيِيقِ عَلَى النَّاسِ فِي أَمْوَالِهِمْ؛ لأَِنَّ الْجَالِبِينَ إِذَا بَلَغَهُمْ ذَلِكَ لَمْ يَقْدُمُوا بِسِلَعِهِمْ بَلَدًا يُكْرَهُونَ عَلَى بَيْعِهَا فِيهِ بِغَيْرِ مَا يُرِيدُونَ، وَمَنْ عِنْدَهُ الْبِضَاعَةُ يَمْتَنِعُ مِنْ بَيْعِهَا وَيَكْتُمُهَا، وَيَطْلُبُهَا أَهْل الْحَاجَةِ إِلَيْهَا، فَلاَ يَجِدُونَهَا إِلاَّ قَلِيلًا، فَيَرْفَعُونَ فِي ثَمَنِهَا لِيَصِلُوا إِلَيْهَا، فَتَغْلُو الأَْسْعَارُ وَيَحْصُل الإِْضْرَارُ بِالْجَانِبَيْنِ، جَانِبِ الْمُشْتَرِين فِي مَنْعِهِم مِنَ الْوُصُول إِلَى غَرَضِهِم، وَجَانِبِ الْمُلاَّكِ فِي مَنْعِهِمْ مِنْ بَيْعِ أَمْلاَكِهِمْ، فَيَكُونُ حَرَامًا.
تَقَدَّمَ أَنَّ الأَْصْل مَنْعُ التَّسْعِيرِ، وَمَنْعُ تَدَخُّل وَلِيِّ الأَْمْرِ فِي أَسْعَارِ السِّلَعِ، إِلاَّ أَنَّ هُنَاكَ حَالاَتٍ يَكُونُ لِلْحَاكِمِ بِمُقْتَضَاهَا حَقُّ التَّدَخُّل بِالتَّسْعِيرِ، أَوْ يَجِبُ عَلَيْهِ التَّدَخُّل عَلَى اخْتِلاَفِ الأَْقْوَال، وَهَذِهِ الْحَالاَتُ هِيَ: