الصفحة 8 من 12

وَأَمَّا قَدْرُ التَّعْزِيرِ، وَكَيْفِيَّتُهُ، فَمُفَوَّضٌ إِلَى الإِْمَامِ أَوْ نَائِبِهِ، وَقَدْ يَكُونُ الْحَبْسَ أَوِ الضَّرْبَ، أَوِ الْعُقُوبَةَ الْمَالِيَّةَ، أَوِ الطَّرْدَ مِنَ السُّوقِ وَغَيْرَ ذَلِكَ.

هَذَا كُلُّهُ فِي الْحَالاَتِ الَّتِي يَجُوزُ فِيهَا التَّسْعِيرُ، أَمَّا حَيْثُ لاَ يَجُوزُ التَّسْعِيرُ عِنْدَ مَنْ لاَ يَرَاهُ، فَلاَ عُقُوبَةَ عَلَى مُخَالِفِ التَّسْعِيرِ.

الملحق الثاني

الاحتكار

الاحتكار لغةً: حبس الطّعام إرادة الغلاء، والاسم منه الحكرة [7] .

أمّا في الشّرع فقد عرّفه الحنفيّة بأنّه: اشتراء طعام ونحوه وحبسه إلى الغلاء.

وعرّفه المالكيّة بأنّه رصد الأسواق انتظارًا لارتفاع الأثمان.

وعرّفه الشّافعيّة بأنّه اشتراء القوت وقت الغلاء، وإمساكه وبيعه بأكثر من ثمنه للتّضييق.

وعرّفه الحنبلية بأنّه اشتراء القوت وحبسه انتظارًا للغلاء.

يتّفق الفقهاء على أنّ الاحتكار بالقيود الّتي اعتبرها كلّ منهم محظور، لما فيه من الإضرار بالنّاس، والتّضييق عليهم.

وقد اختلفت عبارات الفقهاء في التّعبير عن هذا الحظر:

فجمهور الفقهاء صرّحوا بالحرمة، مستدلّين بقوله تعالى: {وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْم} [8] فقد فهم منها صاحب الاختيار أنّها أصل في إفادة التّحريم، وقد ذكر القرطبيّ عند تفسيره هذه الآية الكريمة: أنّ أبا داود روى عن يعلى بن أميّة أنّ الرّسول صلى الله عليه وسلم قال: «احتكار الطّعام في الحرم إلحاد فيه» [9] وهو قول عمر بن الخطّاب.

واستدلّ الكاسانيّ على ذلك بحديث: «المحتكر ملعون» [10] .

وحديث: «من احتكر طعامًا أربعين ليلةً فقد برئ من اللّه، وبرئ اللّه منه» [11] ثمّ قال الكاسانيّ: ومثل هذا الوعيد لا يلحق إلاّ بارتكاب الحرام، ولأنّه ظلم، لأنّ ما يباع في المصر فقد تعلّق به حقّ العامّة، فإذا امتنع المشتري عن بيعه عند شدّة حاجتهم إليه فقد منعهم حقّهم، ومنع الحقّ عن المستحقّ ظلم وحرام، يستوي في ذلك قليل المدّة وكثيرها، لتحقّق الظّلم.

كما اعتبره ابن حجر الهيتميّ من الكبائر، ويقول: إنّ كونه كبيرةً هو ظاهر الأحاديث من الوعيد الشّديد، كاللّعنة وبراءة ذمّة اللّه ورسوله منه والضّرب بالجذام والإفلاس، وبعض هذه دليل على الكبيرة.

وممّا استدلّ به الحنبلية على التّحريم ما روى الأثرم عن أبي أمامة، قال: «نهى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أن يحتكر الطّعام» [12] ، وما روي بإسناده عن سعيد بن المسيّب أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال: «من احتكر فهو خاطئ» [13] ، وما روي: أنّ عمر بن الخطّاب رضي الله عنه خرج مع أصحابه، فرأى طعامًا كثيرًا قد ألقي على باب مكّة، فقال: ما هذا الطّعام؟ فقالوا: جلب إلينا، فقال: بارك اللّه فيه وفيمن جلبه، فقيل له: فإنّه قد احتكر، قال: من احتكره؟ قالوا: فلان مولى عثمان، وفلان مولاك، فاستدعاهما، وقال: سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول: «من احتكر على المسلمين طعامهم لم يمت حتّى يضربه اللّه بالجذام أو الإفلاس» [14] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت