اختلفوا حكَّموا ذوي الخبرة والدراية من الأمناء، وأخذوا بقولهم، فإذا لم يرضهم ذلك، أو لم يرض البعض منهم ذلك، رفعوا أمرهم إلى القاضي، فيقدره بحسب خبرته أو بالاستعانة بأهل الخبرة الأمناء، ويلزمهم بما انتهى إليه حكمه.
ولا يجوز العدول عن هذا المبدأ في تقدير الربح الحقيقي وتبيُّنه، إلى ربح حكمي يقاس بأرباح الشركات الأخرى، كما يحصل في بعض البيئات أو المجتمعات، توقيا للإساءة -في زعمهم- إلى هذه المؤسسات أو الإضرار بها، أو غير ذلك، لأن فيه تغييرا للحقيقة، وتضييعا على صاحب الحق حقه، ومجافاة للحقيقة، وتعدٍ على مبدأ التنافس الشريف الحر بين المؤسسات الاستثمارية، وكل ذلك ممنوع شرعا.
فإذا ظهرت أرباح الشركة بالطرق السابقة، ووفق شروطها، وطلب أحد الشركاء أرباحه، أعطيت إليه جبرا عنهم جميعا، وإذا طلب حل الشركة أو الخروج منها لزمهم قبول ذلك، والاستجابة إليه، لأن الشركة عقد غير لازم -كما تقدم-، فإما أن يبيعوا الشركة كلها ويقتسموا ثمنها كل على قدر حصته من الربح ورأس المال، وإما أن يشتروا منه حصته بما يتفق عليه بينهم، فيخرج هو ويبقوا هم على حالهم، ثم إن اشترى حصته أحدُهم أو بعضهم حل المشتري محل البائع في حصته الشركة، وإن اشتروها جميعا كانت الحصة لهم جميعا بحسب اتفاقهم.
ولا يجوز للشركاء أن يمنعوا عن أحدهم حصته في الربح إذا طلبها بعد تبيُّنها، لأي سبب كان، مهما كان نوع الشركة، لأنه حقه، ومنع صاحب الحق حقه ظلم وحرام، إلا لضرورة، كما إذا كان دفع ربحه له فورا غير ممكن، كعدم توفر السيولة اللازمة في الشركة مثلا، ورفض أخذ ربحه عروضا من عروض الشركة، فلهم في هذه الحال تأخير ذلك مدة قليلة حتى تزول الضرورة، ويمكن دفع ربحه له، فإذا اتفقوا على هذه المدة فبحسب اتفاقهم، وإذا اختلفوا في ذلك رفع الأمر للقاضي لتحديده بما يراه.
إلا أن بعض الشركات المعاصرة أو كلها تقريبا، تخالف بعض هذه الأحكام، وتقضي في آخر كل عام -بعد تقويم الشركة وحساب أرباحها- بتأخير تسليم الأرباح أو بعضها إلى المساهمين فيها، رغم انتظارهم لها وطلبهم تسلمها، بدعوى الحاجة إلى تحويلها أو تحويل بعضها إلى عام قادم، وجعلها مبالغ احتياطية للوقاية من قلة الأرباح في العام القادم، أو انعدامها، أو حصول خسارة فيها، أو أن توزيعها يضر ببعض الشركات الأخرى التي لم تحقق أرباحا مثلها، أو غير ذلك من المبررات، وربما قضت بعض البنوك المركزية بوجوب ذلك، وهو في نظري مخالف للأحكام الشرعية، لأن تسليم الربح لمستحقه من الشركاء عند طلبه له واجب، ومنعه منه حرام، لأن الشريك قد يخرج من الشركة قبل حلول العام القادم، فيخسر ربحه المستحق له بسبب ذلك، ويستحقه غيره ممن دخل في الشركة من جديد، وهو أمر ممنوع شرعا بغير رضا من صاحبه، ولا أظنه يرضى بذلك، وكيف يرضى بالتنازل عن حقه لغيره بدون سند شرعي يقضي بذلك.
ربما أجاب البعض عن ذلك بأن حق هذا الشريك الطالب للربح، بعد منعه منه وتأخيره إلى عام قادم، لا يلحق به خسارة حقيقية، لأن قيمة حصته في الشركة سوف تزيد بذلك، فيكون في ذلك تعويضا له عن ربحه الممنوع عنه.
ولكن ذلك غير مسلم، لأن الشريك قد يكون بحاجة إلى ربحه فورا لأمور لا تقبل التأجيل.
ثم إن كان ذلك التأخير لا يضر به حقيقة على الوجه المتقدم، فهو ضار بالمودعين غير الشركاء، الذين يضاربون في هذه الشركة ببعض أموالهم، وربما كانت أموال المودعين في بعض الشركات أكبر من حصص الشركاء فيها، فهؤلاء المودعين تتغير مدخراتهم كل يوم تقريبا، أو كل شهر، أو كل سنة، فيخسرون ما منع عنهم من الربح ونقل إلى غيرهم من الشركاء في الشركة، وهو حرام، وأكل لأموال الناس بالباطل.
الملحق الأول
الَتسْعِيرٌ