الصفحة 18 من 31

وهذا المال لا يكون نِعْمة إلا اذا أُنفق في طاعة فهو ينقلب إلى نِعْمة جزاء،"فَأَمَّا الإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنعمهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ, وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ, كَلاَّ" (الفجر 15 - 17) .

ونِعَم الاستدراج تكون للكافرين وللعصاة الموغلين في عِنادهم مع ربهم والموغلين في المخالفات, وفى ذلك يقول رسول الله: r"ِإذَا رَأَيْتَ اللَّهَ يُعْطِي الْعَبْدَ مِنْ الدٌنْيَا عَلَى مَعَاصِيهِ مَا يُحِبُّ فَإِنَّمَا هُوَ اسْتِدْرَاجٌ"ثُمَّ تَلَا رَسُولُ اللَّهِ:"فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ" (رواه أحمد) .

فهى نِعَم استدراج حتى اذا نزل بهم العقاب الشديد كانوا أهلًا له وكانوا مستحقين له. وفى ذلك يقول سبحانه وتعالى:"إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ" (آل عمران: 178) ، كما يقول عز وجل:"فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ" (الزخرف 83) . كما يقول تعالى:"أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ, يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُّبَدًا" (البلد 5 - 6) . ويقول كذلك:"يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ" (الهمزة 3) .

فعلى العاقِل أن يُدرِك في أي النِعَم يتقلب حتى يشكر الله وحتى لا يغتر وحتى يُراجع نفسه.

(5) العاقِل: هو الذى يعتبر نفسه في امتحان في كل ثانية وفى كل حركة، بل وفى كل سكنة. هذا امتحان مع ابيه، وثان مع أمه، وثالث مع زوجه، ورابع مع ولده، وخامس مع جاره، وسادس مع زميله، وسابع مع وقته، وثامن مع ماله، وتاسع مع صحته، وعاشر مع مرضه, وهكذا, وفى ذلك يقول الحق تبارك وتعالى:"الَّذِي خَلَقَ الْمَوْت وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ العَزِيزُ الغَفُورُ" (الملك: 2) .

ولذا، فهو يُعد ويُهئ للإجابة عن كل سؤال: لماذا قُلتَ كذا؟ لماذا سَكتَ عن كذا؟ لماذا فَعلتَ كذا؟ لماذا لم تَفْعَلْ كذا؟ لماذا نَظرتَ إلى كذا؟ لماذا استمعتَ إلى كذا؟ لماذا أعطيتَ لغير الله؟ لماذا منعتَ لغير الله؟ والسائل هو الله.

والحق تبارك وتعالى يقول:"فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ، عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ" (الحجر 92 - 93) . فالأسئلة معروفة مسبقًا, ولكن المشكلة كل المشكلة في الإجابة، لأن طبيعة اليوم الآخر لا تحتمل الكَذِب, طبيعة اليوم الآخر لا تحتمل الخداع, طبيعة اليوم الآخر لا تحتمل التزييف, وفى ذلك يقول الحق تبارك وتعالى:"الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ" (يس 65) . كما يقول عز وجل:"يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ" (النور 24) .

وفى هذا يقول الشاعر:

فيا خجلي منه إذا هو قال لي أيا عبدنا ما قرأت كتابنا؟

أما تستحي منا ويكفيك ما جرى أما تختشي من عتبنا يوم جمعنا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت