ولذا، فإن السباق في الدٌنْيَا سباق لا معنى له، لأن الْمَوْت يُنهي كل شيء. وفى ذلك يقول أحد العلماء:"هذه الدٌنْيَا دار التواء لا دار استواء, ومنزل ترح لا منزل فرح, فمن عرفها لم يفرح لرخاء ولم يحزن لشقاء, قد جعلها الله دار بلوى, وجعل الآخرة دار عقبى, وجعل بلاء الدٌنْيَا لعطاء الآخرة سببًا, وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدٌنْيَا عوضًا، فيأخذ ليعطى ويبتلى ليجزى".
وفى المقابل, فإن الآخرة دار نعيم مقيم وراحة مطلقة لمن استعد في دنياه للموت وما بعده.
(2) إذا كانت الدٌنْيَا دار فناء والآخرة دار استقرار، فيجب على المسلم ان يُدرك أنه لم يُخلق للحياة في الدار الفانية المؤقتة وإنما خُلق للحياة في الدار الآخرة الأبدية, فالهدف من الدٌنْيَا هو الإعداد والكسب للآخرة.
وفى ذلك يقول الحق تبارك وتعالى:"وَمَا هَذِهِ الحَيَاةُ الدٌنْيَا إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَالآخِرَةَ لَهِيَ الحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ" (العنكبوت:64) . كما يقول سبحانه وتعالى:"فَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الحَيَاةِ الدٌنْيَا وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ" (الشورى:36) . كما يقول:"وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الحَيَاةِ الدٌنْيَا وَالآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ" (الزخرف:35) . ويقول أيضًا:"يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الحَيَاةُ الدٌنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ القَرَارِ" (غافر:39) .
ولذا، يجب على المسلم أن ينقل اهتماماته من دارالدٌنْيَا إلى الدارالآخرة. فلو أن فردًا يسكن مؤقتًا في شقة بالإيجار في مكان ويمتلك شقة في مكان آخر فهل يهتم بتأسيس الشقة المستأجرة المؤقتة أم يهتم بتأسيس الشقة التمليك الدائمة؟.
ويبرر علي بن أبي طالب t سبب التعلق بالدٌنْيَا في قوله:"والسبب في حب الدٌنْيَا والتعلق بها والتكالب عليها مع كثرة همومها وغمومها وأنكادها هو قلة المعرفة بعيوبها فلو كشف الغطاء لهربوا منها".
(3) الدٌنْيَا ليست مطلوبة لذاتها ولكنها وسيلة للآخرة فالأولى مزرعة للثانية، والذى يطلب الدٌنْيَا لذاتها هو الخاسر أما الذى يجعلها وسيلة للآخرة فهو الرابح. فالآخرة تحتاج إلى عمل والعمل لا يكون إلا في الدٌنْيَا فالدٌنْيَا دار عمل والآخرة دار جزاء.
يقول عثمان بن عفان t:"إن الله عز وجل إنما أعطاكم الدٌنْيَا لتطلبوا بها الآخرة، ولم يعطكموها لتركنوا إليها". ثم يستطرد:"إن الدٌنْيَا تفنى والآخرة تبقى، فلا تبطرنكم الفانية، ولا تشغلنكم عن الباقية، فآثروا ما يبقى على ما يفنى، فإن الدٌنْيَا منقطعة، وإن المصير إلى الله".
ويقول أحد الدعاة:"إن المؤمن أبصر الدٌنْيَا فأنزلها منزلتها فإن هي أقبلت عليه قال لا مرحبًا ولا أهلًا، والله ما أراك جئت بخير وما فيك من خير إلا أن تُطلب بك الجنة، ويُفتدي بك من النار".
وعلى ذلك, فإن من أحب الدٌنْيَا لذاتها وتعلق بها وجعلها في قلبه، وجعلها أكبر همه ومبلغ علمه هو الخاسر لأنه يفقدها في ثانية واحدة، يفقدها بالْمَوْت.
أما من اعتقد أن الدٌنْيَا مجرد ممر ووسيلة ومطية للآخرة, وجعل الدٌنْيَا في يديه وتعلق بالآخرة، وجعل علمه وقوته وجهده وماله في سبيل الله فهو الرابح.