(4) أن شعور من ترك الدٌنْيَا عند الْمَوْت وهى أكبر همه شعور باليأس، شعور بالإحباط، شعور بالندم، شعور بالضياع، لأنه تعلق بها وأحبها لذاتها.
وفى المقابل، فإن شعور من جعلها وسيلة ومطية للآخرة هو شعور بالسعادة، شعور بالفوز،"فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ لَمَّا وَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ r مِنْ كَرْبِ الْمَوْت مَا وَجَدَ قَالَتْ فَاطِمَةُ"وَا كَرْبَ أَبَتَاهُ"فَقَالَ رَسُولُ اللَّهrِ:"لَا كَرْبَ عَلَى أَبِيكِ بَعْدَ الْيَوْمِ" (رواه ابن ماجه) ."
وعن رَسُول اللَّهِ r أنه قَالَ:"مَنْ كَانَتْ الدٌنْيَا هَمَّهُ فَرَّقَ اللَّهُ عَلَيْهِ أَمْرَهُ وَجَعَلَ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَلَمْ يَأْتِهِ مِنْ الدٌنْيَا إِلَّا مَا كُتِبَ لَهُ وَمَنْ كَانَتْ الْآخِرَةُ نِيَّتَهُ جَمَعَ اللَّهُ لَهُ أَمْرَهُ وَجَعَلَ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ وَأَتَتْهُ الدٌنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ" (رواه ابن ماجه) . وفى حديث آخر قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r:"مَنْ كَانَتْ الْآخِرَةُ هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ وَأَتَتْهُ الدٌنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ وَمَنْ كَانَتْ الدٌنْيَا هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ وَلَمْ يَأْتِهِ مِنْ الدٌنْيَا إِلَّا مَا قُدِّرَ لَهُ" (رواه الترمذى) .
وقد سمع علي بن أبي طالب t رجلًا يسُب الدٌنْيَا فقال له:"إنها لدار صدق لمن صدقها، ودار عافية لمن فهم عنها، ودار غنى لمن تزود منها".
وقال أحد العلماء:"من تفرغ قلبه من هموم الدٌنْيَا، قل تعبه، وتوفر من العبادة نصيبه، واتصل إلى الله مسيره، وارتفع في الجنة مصيره، وتمكن من الذكر والفكر والورع والزهد والاحتراس من وساوس الشيطان، وغوائل النفس. ومن كثر في الدٌنْيَا همه، أظلم طريقه، ونصب بدنه، وضاع وقته، وتشتت شمله، وطاش عقله، وانعقد لسانه عن الذكر، لكثرة همومه وغمومه، وصار مقيد الجوارح عن الطاعة، من قلبه في كل واد شعبة، ومن عمره لكل شغل حصة".
(5) هناك ضابط دقيق للتفرقة بين من يحب الدٌنْيَا لذاتها وبين من يتخذها وسيلة للآخرة, وهذا الضابط هو: من شغلته الدٌنْيَا عن أداء الفروض كالصلاة والزكاة والحج، والواجبات الإسلامية كحضور مجالس العلم وصلة الارحام ونحو ذلك، فهذا يحب الدٌنْيَا لذاتها أما إذا لم تشغله عن ذلك فهو قد جعلها وسيلة للآخرة.
ولذا، فإن المسلم حتى يفوز في الآخرة يجب أن يعمل في الدٌنْيَا، وأن يسعى إلى تحصيل العلم النافع، وأن يحصل على أعلى الشهادات, وأن يختار الطريقة المناسبة له للكسب الحلال, وأن يُتقن حرفته ومهنته, وأن يرتقى إلى أعلى المناصب, وأن يكون قدوة حسنة, ثم يستخدم علمه وماله ومهنته ومنصبه في سبيل الله وفى خدمة الإسلام, وبهذا تكون الدٌنْيَا مطية أو وسيلة للآخرة.
(6) الدٌنْيَا لا قيمة لها, فالرسول r يقول:"لَوْ كَانَتْ الدٌنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ" (رواه الترمذى) . ولذلك، فإن عطاء الله في الدٌنْيَا ليس عطاء إكرام كما أن منعه ليس منع حرمان, وإنما عطاؤه عطاء ابتلاء وحرمانه حرمان دواء. فالدٌنْيَا أهون على الله من أن يجعلها مكافأة لعباده، فقد أعطى المال لمن يحب ومن لا يحب أعطاه لقارون، وأعطى الملك لمن يحب ومن لا يحب أعطاه لفرعون، ولكن الذين يحبهم فقط يعطيهم الحكمة والعلم, وفى ذلك يقول الحق تبارك وتعالى:"وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ" (يوسف: 22) .