وقد حكيت في هذه القصة أقاويل وصور مأخوذة من الإسرائيليات لا تليق بنبي الله داود الذي رفع الله مكانته وأذاع فضله عليه السلام، ومن خلال تدبر كلام الله لهذا النبأ، وتأمل ما صح من الروايات في تفسير هذه القصة ظهر لي أن الله أرسل ملكين لداود عليه السلام فاختصموا إليه في نازلة قد وقع هو في نحوها، فحكم بحكم هو واقع عليه في نازلته، ولما شعر وفهم المراد خرّ ساجدًا فغفر الله له، وذلك أنه عليه السلام سأل رجلًا أن يطلق له امرأته ليتزوجها كما كان ذلك جائزًا في صدر الإسلام، فنبهه الله تعالى على ذلك وعاتبه بهذا المثل يشعره أنه كان الأليق بمقامه ألاّ يتشاغل بهذا الأمر وإن كان مباحًا في دينهم -
هذا خلاصة ما وقفت عليه مما صح ومما اعتمده كبار الأئمة، فأما غير هذا فلا ينبغي الاجتراء عليه (1) والله أعلم -
وفيما أخبر الله به عن نبيه داود عليه السلام من إيتائه إصابة القضاء تنويه صريح بما أنعم الله عليه من هذا العلم، ومن ثَمَّ صدّقه بما ساقه جل وعز من نبأ الخصم، فلقد أبان عما كان يتمتع به عليه السلام من حلم على الخصوم بعد ما تسوّروا المحراب، وقالوا له لا تُجر في الحكم، كما أفصح ذلكم النبأ عن مظهر من مظاهر العدل في قضاء داود عليه السلام، فقد حكم بينهما بالعدل، ثم حذرهما من الظلم منتهزًا فرص الهداية لئلا يفوت وعظ النفوس وتوجيهها وهي متهيئة للاستجابة فحثهما على أن يكونا من الصالحين، مع ما تضمنه ذلك من تسلية للمظلوم (2) -
(1) 75) انظر المصدر السابق 22/ 146، النحاس: معاني القرآن 6/ 101، وإعراب القرآن 3/ 461، الزمخشري: الكشاف 3/ 366، ابن عطية: المحرر 12/ 439، القرطبي 15/ 175، محمد الطاهر: التحرير والتنوير 23/ 237 -
(2) 76) انظر الزمخشري: الكشاف 3/ 371، ابن عطية: المحرر 12/ 446، محمد الطاهر: التحرير والتنوير 23/ 239 -