إذن فالمساجد لها مهمة العيادة للطبيب الخالق الذي خلق هذه النفس ويعرف كيف يداويها ، وليس للطبيب الدارس في كلية الطب الذي يعرف أشياء وتغيب عنه أشياء . ونحن في المساجد إنما نعيش في حضرة الحق تبارك وتعالى نتلقى منه التجليات والفيوضات التي تعالج نفوسنا أكثر مما يعالجها أبرع أطباء العالم ، على أننا إذا دخلنا المسجد فلنعرف أن لهذا المكان قدسيته ، ولا بد أن يحرص الإنسان على نظافته ومظهره ، ولنرتد أحسن ثيابنا ؛ لأن الله لا ينظر إلى نظافتنا أو أناقتنا ، ولكن ليحرص كل منا ألا يتأفف منه من يصلي بجانبه ؛ فمن يعمل في مصنع ويحضر إلى المسجد إلا بعد أن يغتسل ؛ إن ملابسه شرف له في عمله ، ولكن عليه أن يغيرها حين يذهب إلى المسجد ، ومن يعمل في مكتب قد يكون الجو حارا أو امتلأ جسده بالعرق ، وملابسه التي يوجد بها في وظيفته هي شرف له في عمله ، ولكن عليه أن يغتسل ، وأن تكون رائحته طيبة حين يدخل المسجد .
ولذلك نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أكل ثوماً أو بصلاً أن يأتي المسجد حتى لا يتأذى أحد بالرائحة التي تصدر من فمه . وقال صلى الله عليه وسلم في حديثه الشريف الذي يرويه جابر رضي الله عنه:"من أكل ثوماً أو بصلاً فليعتزلنا أو فليعتزل مسجدنا".
وفي رواية لمسلم:"من أكل البصل والثوم والكرات فلا يقربن مسجدنا ، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم"ولذلك على المسلم أن يحرص أن تكون الإقامة في المسجد طيبة ، لتكون الأفئدة منشرحة . ويجب أن نراعي جلال المسجد ؛ لأننا نعرف أن الرحمات تتنزل على الصف الأول ثم الذي يليه ، فلا يحاول واحد منا أن يحجز مكاناً بالصف الأول بأن يضع فيه سجادة خاصة أو كوفية ، ثم يأتي أحيانا بعد إقامة الصلاة ويحاول اقتحام الصفوف ليصل إلى الصف الأول .