وَلَا تَظُنَّنَّ أَنَّ شَرْطَ الْمَنْعَةِ فِي الْجِزْيَةِ إِنَّمَا كَانَ يُقْصَدُ بِهِ مُجَرَّدُ تَطَيُّبِ نُفُوسِ أَهْلِ الذِّمَّةِ ، وَإِسْكَانِ غَيْظِهِمْ وَلَمْ يَقَعْ بِهِ الْعَمَلُ قَطُّ ، فَإِنَّ مَنْ أَمْعَنَ النَّظَرَ فِي سَيْرِ الصَّحَابَةِ ، وَاطَّلَعَ عَلَى مَجَارِي أَحْوَالِهِمْ ، عَرَفَ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ أَنَّهُمْ لَمْ يَكْتُبُوا عَهْدًا ، وَلَا ذَكَرُوا شَرْطًا إِلَّا وَقَدْ عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ ، وَأَفْرَغُوا الْجُهْدَ فِي الْوَفَاءِ بِهَا ، وَكَذَلِكَ فِعْلُهُمْ فِي الْجِزْيَةِ الَّتِي يَدُورُ رَحَى الْكَلَامِ عَلَيْهَا - فَقَدْ رَوَى الْقَاضِي أَبُو يُوسُفَ فِي كِتَابِ الْخَرَاجِ عَنْ مَكْحُولٍ أَنَّهُ لَمَّا رَأَى أَهْلُ الذِّمَّةِ وَفَاءَ الْمُسْلِمِينَ لَهُمْ ، وَحُسْنَ السِّيرَةِ فِيهِمْ ، صَارُوا أَشِدَّاءَ عَلَى عَدُوِّ الْمُسْلِمِينَ وَعُيُونًا لِلْمُسْلِمِينَ عَلَى أَعْدَائِهِمْ ، فَبَعَثَ أَهْلُ كُلِّ مَدِينَةٍ رُسُلَهُمْ يُخْبِرُونَهُمْ بِأَنَّ الرُّومَ قَدْ جَمَعُوا جَمْعًا لَمْ يُرَ مِثْلُهُ ، فَأَتَى رُؤَسَاءُ أَهْلِ كُلِّ مَدِينَةٍ الْأَمِيرَ الَّذِي خَلَّفَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ عَلَيْهِمْ فَأَخْبَرُوهُ بِذَلِكَ ، فَكَتَبَ وَالِي كُلِّ مَدِينَةٍ مِمَّنْ خَلَّفَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ يُخْبِرُهُ بِذَلِكَ ، وَتَتَابَعَتِ الْأَخْبَارُ عَلَى أَبِي عُبَيْدَةَ فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَعَلَى الْمُسْلِمِينَ ، فَكَتَبَ أَبُو عُبَيْدَةَ إِلَى كُلِّ وَالٍ مِمَّنْ خَلَّفَهُ فِي الْمُدُنِ الَّتِي صَالَحَ أَهْلَهَا يَأْمُرُهُمْ أَنْ يَرُدُّوا عَلَيْهِمْ مَا جَبَى مِنْهُمْ مِنَ الْجِزْيَةِ وَالْخَرَاجِ ، وَكَتَبَ إِلَيْهِمْ أَنْ يَقُولُوا لَهُمْ: إِنَّمَا رَدَدْنَا عَلَيْكُمْ أَمْوَالَكُمْ ; لِأَنَّهُ قَدْ بَلَغَنَا مَا