الصَّالِحِينَ إِلَى الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ ; لِتَوْزِيعِهَا فِيهَا عَلَى نَفَقَةِ بَعْضِ الْأَغْنِيَاءِ الْأَغْبِيَاءِ ، فَرَأَى ذَلِكَ الْحَاجُّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي نَوْمِهِ قَبْلَ دُخُولِ الْمَدِينَةِ بِلَيْلَةٍ يَأْمُرُهُ بِأَلَّا يُدْخِلَ تِلْكَ الْكُتُبَ فِي مَدِينَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَدَفَنَهَا فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ ، ثُمَّ أَخْبَرَ صَاحِبَهَا بِمَا رَأَى بَعْدَ عَوْدَتِهِ عَلَى مَسْمَعٍ مِنَ النَّاسِ فَبُهِتَ الدَّجَّالُ .
إِنَّ فِي بَعْضِ كُتُبِ الصُّوفِيَّةِ كَثِيرًا مِنَ الْمَعَارِفِ وَالْفَوَائِدِ وَالْمَوَاعِظِ الْمُؤَثِّرَةِ . وَلَكِنَّ أَكْثَرَهَا قَدْ أَفْسَدَ فِي دِينِ هَذِهِ الْأُمَّةِ مَا لَمْ تَبْلُغْ إِلَى مِثْلِهِ شُبُهَاتُ الْفَلَاسِفَةِ وَآرَاءُ مُبْتَدِعَةِ الْمُتَكَلِّمِينَ ; لِأَنَّ هَذَيْنَ النَّوْعَيْنِ لَا يَنْظُرُ فِيهِمَا إِلَّا بَعْضُ الْمُشْتَغِلِينَ بِالْعِلْمِ الْعَقْلِيِّ ، وَأَمَّا كُتُبُ الصُّوفِيَّةِ فَيَنْظُرُ فِيهَا جَمِيعُ طَبَقَاتِ النَّاسِ وَإِنْ كَانَتْ أَدَقَّ عِبَارَةً ، وَأَخْفَى إِشَارَةً مِنْ كُتُبِ الْفَلَاسِفَةِ . وَلَا شَكَّ أَنَّ خَيْرَ صُوفِيَّةِ هَذِهِ الْأُمَّةِ السَّابِقُونَ ، الَّذِينَ كَانُوا لَا يَتَصَوَّفُونَ إِلَّا بَعْدَ تَحْصِيلِ عِلْمِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْفِقْهِ وَالِاعْتِصَامِ بِالْعَمَلِ عَلَى طَرِيقَةِ السَّلَفِ كَالْإِمَامِ الْجُنَيْدِ وَطَبَقَتِهِ ، ثُمَّ ظَهَرَ فِيهِمُ الْغُلَاةُ وَمَنْ يُسَمَّوْنَ صُوفِيَّةَ الْحَقَائِقِ ، فَابْتَدَعُوا مَا أَنْكَرَهُ عَلَيْهِمُ الْأَئِمَّةُ حَتَّى قَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ: مَنْ تَصَوَّفَ أَوَّلَ النَّهَارِ لَا يَأْتِي آخِرُهُ إِلَّا وَهُوَ مَجْنُونٌ .