(لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ) فَيُقْبِلُ عَلَيْكُمْ بِكُلِّيَّتِهِ.
(وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ) أَيْ مِنْ بَعْدِ الذَّنْبِ، وَقِيلَ: مِنْ بَعْدِ يُوسُفَ.
(قَوْماً صالِحِينَ) أَيْ تَائِبِينَ، أَيْ تُحْدِثُوا تَوْبَةً بَعْدَ ذَلِكَ فَيَقْبَلُهَا اللَّهُ مِنْكُمْ، وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ تَوْبَةَ الْقَاتِلِ مَقْبُولَةٌ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُنْكِرْ هَذَا الْقَوْلَ مِنْهُمْ.
وَقِيلَ: (صالِحِينَ) أَيْ يَصْلُحُ شَأْنُكُمْ عِنْدَ أَبِيكُمْ من غير أثرة ولا تفضيل.
(قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ(10)
وَالْجُبُّ الرَّكِيَّةُ الَّتِي لَمْ تُطْوَ، فَإِذَا طويت فهي بئر، قال الْأَعْشَى:
لَئِنْ كُنْتَ فِي جُبٍّ ثَمَانِينَ قَامَةً ... وَرُقِّيتَ أَسْبَابَ السَّمَاءِ بِسُلَّمِ
وَسُمِّيَتْ جُبًّا لِأَنَّهَا قُطِعَتْ فِي الْأَرْضِ قَطْعًا، وَجَمْعُ الْجُبِّ جِبَبَةٌ وَجِبَابٌ وَأَجْبَابٌ، وَجَمَعَ بَيْنَ الْغَيَابَةِ وَالْجُبِّ لِأَنَّهُ أَرَادَ أَلْقَوْهُ فِي مَوْضِعٍ مُظْلِمٍ مِنَ الْجُبِّ حتى لا يلحقه نظر الناظرين.
قيل: هُوَ بِئْرُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَقِيلَ: هُوَ بِالْأُرْدُنِّ، قال وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ.
مُقَاتِلٌ: وَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ فَرَاسِخَ مِنْ مَنْزِلِ يَعْقُوبَ.
* قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ) جُزِمَ عَلَى جَوَابِ الْأَمْرِ.
وَقَرَأَ مُجَاهِدٌ وَأَبُو رَجَاءٍ وَالْحَسَنُ وَقَتَادَةُ: (تَلْتَقِطْهُ) بِالتَّاءِ، وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى الْمَعْنَى، لِأَنَّ بَعْضَ السَّيَّارَةِ سَيَّارَةٌ، وَقَالَ سِيبَوَيْهِ: سَقَطَتْ بَعْضُ أَصَابِعِهِ، وَأَنْشَدَ:
وَتَشْرَقَ بِالْقَوْلِ الَّذِي قَدْ أَذَعْتَهُ ... كَمَا شَرِقَتْ صَدْرُ الْقَنَاةِ مِنَ الدَّمِ
وَقَالَ آخَرُ:
أَرَى مَرَّ السِّنِينِ أَخَذْنَ مِنِّي ... كَمَا أَخَذَ السَّرَارُ مِنَ الْهِلَالِ
وَلَمْ يَقُلْ شَرِقَ وَلَا أَخَذَتْ.