أي: سِرْ أنت وأهلك في جزء من الليل . ومرة يُقَال"سرى"، ومرة يُقال"أسرى"؛ ويلتقيان في المعنى . ولكن"أسرى"تأتي في موقع آخر من القرآن ، وتكون مُتعدِّية مثل قول الحق: {سُبْحَانَ الذي أسرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً} [الإسراء: 1] .
وقولهم هنا (أسر بأهلك) هو تعبير مُهذّب عن صُحْبة النساء والأبناء . ونجد في ريفنا المصري مَنْ لا يتكلم أبداً في حديثه عن المرأة أو البنات ؛ فيقول الواحد منهم"قال الأولاد كذا"، فكأن اسم المرأة مبنيٌّ على السَّتْر دائماً ، وكذلك نجد كثيراً من الأحكام تكون المرأة مَطْمورة في حكم الرجل إلا في الأمر المُتعلِّق بها .
وهنا يقول الحق سبحانه:
{فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ اليل ...} [الحجر: 65] .
وكلمة"قطع"هي اسم جمع ، والمقصود هو أن يخرج لوطٌ بأهله في جُزْء من الليل ، أو من آخر الليل ، فهذا هو منهج الإنجاء الذي أخبر به الملائكة لوطاً ، ليتبعه هو وأهله والمؤمنون به ، وأوصوه أن يتبعَ أدبار قومه بقولهم:
{واتبع أَدْبَارَهُمْ ...} [الحجر: 65] .
أي: أن يكون في المُؤخّرة ، وفي ذلك حَثٌّ لهم على السُّرعة .
وكان من طبيعة العرب أنهم إذا كانوا في مكان ويرحلون منه ؛ فكل منهم يحمل رَحْلَه على ناقته ؛ وأهله فيها فوق الناقة ويبتدئون السير ، ويتخلف رئيس القوم ، واسمه"مُعقِّب"كي يرقُب إنْ كان أحد من القوم قد تخلَّف أو تعثَّر أو ترك شيئاً من متاعه ، ويُسمُّون هذا الشخص"مُعقِّب".
وهنا تأمر الملائكة لوطاً أن يكون مُعقّباً لأهله والمؤمنين به ؛ لِيحثّهم على السير بسرعة ؛ ثم لِينفذ أمراً آخرَ يأمره به الحق سبحانه:
{وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ ...} [الحجر: 65] .