فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 248023 من 466147

ولقد كان قوم لوط - عليه السَّلام - مُولَعين أشدَّ الولع بعِشْق المردان، يترصَّدونَهم في كل طريق، ويُطاردونهم في كلِّ مَجلس، ويَجْرون وراءهم في كلِّ مسلك، سَكِروا بعِشْقِهم أشدَّ مِن سكر المخمور الذي لا يدوم، بل لا بدَّ أن يفيق صاحبه، ولعلَّ إفاقته أكثر من أوقات سكره، وأمَّا سكر العشق فقَلَّ أن يُفيق صاحبه إلاَّ إذا جاءت الرُّسل تطلبه على طاعة ربِّه، قال مجنون ليلى:

قَالَتْ جُنِنْتَ بِمَنْ تَهْوَى فَقُلْتُ لَهَا

اَلْعِشْقُ أَعْظَمُ مِمَّا بِالْمَجَانِينِ

اَلْعِشْقُ لاَ يَسْتَفِيقُ الدَّهْرَ صَاحِبُهُ

وَإِنَّمَا يُصْرَعُ الْمَجْنُونُ فِي الْحِينِ

فكان قوم لوط - وحالُهم كذلك: الوصولُ إلى المرادن أعظم هَمِّهم، وأكبر غايتهم ومقصودِهم - فهُم عندما جاءَتْهم امرأة لوط أو غيرها بِخَبر أولئك الضَّيْف المُكْرَمين، ووَصْفِها لهم بأنَّهم الغاية القصوى في الجمال والحُسْن، انْتَشَوا أشدَّ نَشْوة، وسرَتْ في نفوسهم حميا ما تصوَّروا من حصول هذه الفرصة، فجاؤوا ثَمِلين يُهْرَعون إلى بيت لوط - عليه السَّلام.

"قَالَ إِنَّ هَؤُلاء ضَيْفِي فَلاَ تَفْضَحُونِ"ولفظ"الضَّيف"يُقال للواحد والاثنَيْن والجماعة، و"الفَضْح"فعل مجاز من الفاضح إلى المفضوح، والاسم منه"الفضيحة"، وهي إشهار الْمَساوئ، وكشف العيوب المستورة حتَّى تظهر للناس ويُعْرَف بها المفضوح، تقول العرب للمستغرِق في النَّوم حتَّى مَطْلع الصُّبح:"قد فضَحَك الصُّبح، فَقُم"؛ أي: قد كشَفَ عن خُمولك وكسَلِك وغفلتك، حتَّى بيَّنَك وأظهرك وشهَرَك لِمَن يراك، ويقولون:"فضح القمرُ النُّجوم"إذا غلب ضوءُه عليها فأخفاها، وأظهر للرَّائين عيبَها في قلَّة ضوئها، ويسمُّون الأبيض"الأفضح"، وقد يسمُّون خَمْر البسر"فضوحًا"؛ لأنه يُسْكِر شارِبَه، فتنكشف عيوبه ومساويه بِما قد أضاع من عقله، فانفلت لسانُه، وطاشت أفعاله.

يقول لوط - عليه السَّلام - لِهَؤلاء السَّكارى، ويؤكِّد لهم القول لِيَرتدعوا: إنَّ هؤلاء ضيفي، وحقُّ الضيف على مَن نزل بهم من المضيف وأهل الحيِّ والجيران: أن يُوَقَّرَ ويُكرَم، وكرامة الحيِّ والجيران للضيف هي من كرامتهم لِمُضِيفه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت