ومن لطائف ونكات الإتقان في علوم القرآن للسيوطي:
سورة مريم
{قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (4) }
استعارة محسوس لمحسوس بوجه محسوس، نحو: {وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً} [مريم: 4] فالمستعار منه هو النار، والمستعار له الشّيب، والوجه: هو الانبساط ومشابهة ضوء النار لبياض الشيب، وكلّ ذلك محسوس، وهو أبلغ مما لو قيل: (اشتعل شيب الرأس) لإفادة عموم الشيب لجميع الرأس.
{وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا (16) }
قال السهيليّ: وإنما ذكرت مريم باسمها على خلاف عادة الفصحاء لنكتة، وهو: أنّ الملوك والأشراف لا يذكرون حرائرهم في ملأ، ولا يبتذلون أسماءهنّ، بل يكنّون عن الزوجة بالفرش والعيال ونحو ذلك فإذا ذكروا الإماء لم يكنوا عنهنّ، ولم يصونوا أسماءهنّ عن الذكر، فلمّا قالت النصارى في مريم ما قالوا، صرّح الله باسمها ولم يكن إلّا تأكيدا للعبوديّة التي هي صفة لها، وتأكيدا لأنّ عيسى لا أب له وإلّا لنسب إليه.
{لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ (64) }
استوفى أقسام الزمان، ولا رابع لها.
{وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (66) }
(فائدة)
قال الجرجانيّ في «نظم القرآن» : ليست اللّام فيه للتأكيد فإنّه منكر فكيف يحقّق ما ينكر، وإنّما قاله حكاية لكلام النبي صلّى الله عليه وسلّم الصادر منه بأداة التأكيد، فحكاه، فنزلت الآية على ذلك.
{ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (72) }
الآية جمع فيها بين هناء وعزاء. انتهى انتهى {الإتقان في علوم القرآن} ...