ويظهر أن استبعاد بني إسرائيل كان إجراء سياسياً خوفاً من تكاثرهم وغلبتهم. وفي سبيل الملك والحكم لا يتحرج الطغاة من ارتكاب أشد الجرائم وحشية وأشنعها بربرية وأبعدها عن كل معاني الإنسانية وعن الخلق والشرف والضمير. ومن ثم كان فرعون يستأصل بني إسرائيل ويذلهم بقتل المواليد الذكور. واستبقاء الإناث ؛ وتسخير الكبار في الشاق المهلك من الأعمال.. فلما قال له موسى وهارون: أرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم. قال: {أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يا موسى؟} لأن إطلاق بني إسرائيل تمهيد للاستيلاء على الحكم والأرض.
وإذا كان موسى يطلب إطلاق بني إسرائيل لهذا الغرض ، وكل ما يقدمه هو عمل من أعمال السحر ، فما أسهل الرد عليه: {فلنأتينك بسحر مثله} .. وهكذا يفهم الطغاة أن دعوى أصحاب العقائد إنما تخفي وراءها هدفاً من أهداف هذه الأرض ؛ وأنها ليست سوى ستار للملك والحكم.. ثم هم يرون مع أصحاب الدعوات آيات ، إما خارقة كآيات موسى ، وإما مؤثرة في الناس تأخذ طريقها إلى قلوبهم وإن لم تكن من الخوارق. فإذا الطغاة يقابلونها بما يماثلها ظاهرياً.. سحر نأتي بسحر مثله! كلام نأتي بكلام من نوعه! صلاح نتظاهر بالصلاح! عمل طيب نرائي بعمل طيب! ولا يدركون أن للعقائد رصيداً من الإيمان ، ورصيداً من عون الله ؛ فهي تغلب بهذا وبذاك ، لا بالظواهر والأشكال!
وهكذا طلب فرعون إلى موسى تحديد موعد للمباراة مع السحرة.. وترك له اختيار ذلك الموعد: للتحدي: {فاجعل بيننا وبينك موعدا} وشدد عليه في عدم إخلاف الموعد زيادة في التحدي {لا نخلفه نحن ولا أنت} . وأن يكون الموعد في مكان مفتوح مكشوف: {مكاناً سوى} مبالغة في التحدي!