فهرس الكتاب
نقول: لأن لهم أمانين من العذاب ، الكلمة التي سبقتْ ، والأجل المسمّى عند الله {وَأَجَلٌ مُّسَمًّى} [طه: 129] فلكل واحد أَجَلٌ معلوم .
معنى: {لَكَانَ لِزَاماً} [طه: 129] أي: لزم لزاماً أنْ يحيق بهم ما حاقَ بالأمم السابقة .
ثم يقول الحق سبحانه: {فاصبر على مَا يَقُولُونَ}
فما دام أن القوم يُكذِّبون رسول الله ، وهم في مأمن من العذاب ، فلابُدَّ أن يتمادوا في تكذيبهم ، ويستمروا في عنادهم لرسول الله ؛ لذلك يتوجه الحق سبحانه وتعالى إلى الناحية الأخرى فيعطي رسوله صلى الله عليه وسلم المناعة اللازمة لمواجهة هذا الموقف {فاصبر على مَا يَقُولُونَ} [طه: 130] لأن لك بكل صبر أجراً يتناسب مع ما تصبر عليه .
والصبر قد يكون مَيْسوراً سهلاً في بعض المواقف ، وقد يكون شديداً وصَعْباً ويحتاج إلى مجاهدة ، فمرَّة يقول الحق لرسوله: اصبر . ومرة يقول: اصطبر .
فما الأقوال التي يصبر عليها رسول الله؟ قولهم له: ساحر . وقولهم: شاعر وقولهم: مجنون وكاهن ، كما قالوا عن القرآن: أضغاث أحلام . وقالوا: أساطير الأولين . فاصبر يا محمد على هذا كله ؛ لأن كلَّ قوله من أقوالهم تحمل معها دليل كذبهم .
فقولهم عن رسول الله: ساحر ، فمَن الذي سَحَره رسول الله؟ سحر المؤمنين به ، فلماذا إذن لم يسحرْكم أنتم أيضاً ، وتنتهي المسألة . إذن: بقاؤكم على عناده والكفر به دليل براءته من هذه التهمة .
وقولهم: شاعر ، كيف وهم أمة صناعتها الكلام ، وفنون القول شعره ونثره ، فكيف يَخْفي عليهم أسلوب القرآن؟ والشعر عندهم كلام موزون ومُقفَى ، فهل القرآن كذلك؟ ولو جاء هذا الاتهام من غيركم لكان مقبولاً ، أما أنْ يأتيَ منكم أنتم يا مَنْ تجعلون للكلام أسواقاً ومعارض كمعارض الصناعات الآن ، فهذا غير مقبول منكم .