ومن لطائف ونكات الإتقان في علوم القرآن للسيوطي:
سورة الأنبياء
{لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (22) }
ومن ذلك الاستدلال على أنّ صانع العالم واحد، بدلالة التمانع المشار إليها في قوله: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا}
لأنه لو كان للعالم صانعان لكان لا يجري تدبيرهما على نظام، ولا يتّسق على أحكام، ولكان العجز يلحقهما أو أحدهما وذلك لأنه لو أراد أحدهما إحياء جسم وأراد الآخر إماتته: فإما أن تنفذ إرادتهما فيتناقض لاستحالة تجزي الفعل إن فرض الاتفاق، أو لامتناع اجتماع الضدّين إن فرض الاختلاف.
وإمّا ألّا تنفذ إرادتهما فيؤدّي إلى عجزهما، أو لا تنفذ إرادة أحدهما فيؤدّي إلى عجزه، والإله لا يكون عاجزا.
{قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (63) }
نسب الفعل إلى كبير الأصنام المتّخذة آلهة، كأنه غضب أن تعبد الصغار معه، تلويحا لعابدها بأنها لا تصلح أن تكون آلهة لما يعلمون إذا نظروا بعقولهم من عجز كبيرها عن ذلك الفعل، والإله لا يكون عاجزا، فهو حقيقة أبدا.
{قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (108) }
(أنّما) بالفتح، عدّها من طرق الحصر الزمخشري والبيضاويّ، فقالا في قوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا يُوحى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ}
(إنّما) لقصر الحكم على شيء، أو لقصر الشيء على حكم، نحو: (إنّما زيد قائم) و (إنما يقوم زيد) . وقد اجتمع الأمران في هذه الآية، لأنّ: {إِنَّمَا يُوحى إِلَيَّ} مع فاعله بمنزلة: إنما يقوم زيد، و {أَنَّمَا إِلَهُكُمْ} بمنزلة: إنما زيد قائم.
وفائدة اجتماعهما الدلالة على أنّ الوحي إلى الرسول صلّى الله عليه وسلّم مقصور على استئثار الله بالوحدانية.
وصرّح التّنوخيّ في «الأقصى القريب» بكونها للحصر، فقال: كلّما أوجب أنّ (إنّما) بالكسر للحصر أوجب أنّ (أنّما) بالفتح للحصر، لأنها فرع عنها، وما ثبت للأصل ثبت للفرع، ما لم يثبت مانع منه، والأصل عدمه.
وردّ أبو حيان على الزمخشريّ ما زعمه بأنّه يلزمه انحصار الوحي في الوحدانيّة.
وأجيب: بأنه حصر مجازيّ باعتبار المقام. انتهى انتهى {الإتقان في علوم القرآن} ...