فهرس الكتاب
[سورة الأنبياء (21) : الآيات 1 إلى 6]
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (1)
وقوله - سبحانه -: اقْتَرَبَ من القرب الذي هو ضد البعد.
والمعنى: قرب الزمن الذي يحاسب فيه الناس على أعمالهم في الدنيا، والحال أن الكافرين منهم في غفلة تامة عن هذا الحساب، وفي إعراض مستمر عن الاستعداد له بالإيمان والعمل الصالح.
قال الإمام ابن كثير: هذا تنبيه من الله - عز وجل - على اقتراب الساعة ودنوها، وأن الناس في غفلة عنها، أي لا يعملون لها، ولا يستعدون من أجلها.
قال - تعالى -: أَتى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ ... وقال: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ
الْقَمَرُ وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ.
وعبر سبحانه - بالقرب مع أنه قد مضى على نزول هذه الآية وأمثالها أكثر من أربعة عشر قرنا، لأن كل آت وإن طالت أوقات استقباله وترقبه، قريب الوقوع، ولأن ذلك الوقت وإن كان كبيرا في عرف الناس، إلا أنه عند الله - تعالى - قليل، كما قال - سبحانه -:
وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ، وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ.
وقال - تعالى -: إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً وَنَراهُ قَرِيباً.
وقال - تعالى -: اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ .. بلفظ العموم، مع أن ما بعده من ألفاظ الغفلة والإعراض يشعر بأن المراد بهم الكافرون، للتنبيه على أن الحساب سيشمل الجميع، إلا أنه بالنسبة للكافرين سيكون حسابا عسيرا.
قال صاحب الكشاف: وصفهم بالغفلة مع الإعراض، على معنى: أنهم غافلون عن حسابهم ساهون لا يتفكرون في عاقبتهم، ولا يتفطنون لما ترجع إليه خاتمة أمرهم، مع اقتضاء عقولهم أنه لا بد من جزاء للمحسن والمسيء. وإذا قرعت لهم العصا، ونبهوا عن سنة الغفلة، وفطنوا لذلك بما يتلى عليهم من الآيات والنذر، أعرضوا وسدوا أسماعهم ونفروا.