{أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَاباً نُّكْراً} [الكهف: 87] أي: نُعذِّبه على قَدْر مقدرتنا ، ثم يُرَدُّ إلى ربه فيُعذِّبه على قَدْر قدرته تعالى . {وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُ جَزَآءً الحسنى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْراً} [الكهف: 88]
وهكذا يكون دستور الحياة من الحاكم الممكَّن في الخَلْق ، دستور الثواب والعقاب الذي تستقيم به أمور البلاد والعباد ، فحين يرى تقصيراً لا بُدَّ أنْ يأخذ على يد صاحبه مهما تكُنْ منزلته ، لا يخافه ولا ينافقه ولا يخشى في الله لومة لائم ، وإنْ رأى المحسن المجتهد يُثيبه ويكافئه .
وهذا القانون نراه في مجتمعنا يكاد يكون مُعطّلاً بين العاملين ، فاختلط الحابل بالنابل ، وتدهورتْ الأمور ، ودخلت بيننا مقاييس أخرى للثواب وللعقاب ما أنزل الله بها من سلطان ، فانقلبتْ الموازين ، حيث تبجح الكسالى ، وأُحْبِط المجدُّون المحسنون . {حتى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشمس وَجَدَهَا تَطْلُعُ على قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُمْ مِّن دُونِهَا سِتْراً} [الكهف: 90] .
هذا كُلُّ ما أخُبر الله به ، ويبدو أنه وصل في تجواله العام إلى بلاد تظل الشمس بها مشرقة ثلاثة أو ستةَ أشهر لا تغرب ؛ لذلك لم يجد لهم من دون الشمس ستْراً يسترها أيْ ظلمة {حتى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْماً لاَّ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً} [الكهف: 93] .
ومع ذلك احتال أن يفهم منهم ، ويخاطبهم ؛ لحرصه على نفعهم وما يصلحهم ، وهذه صفة الحاكم المؤمن حين يُمكَّن في الأرض ، وتُعطَى له أسباب القيادة ، ويُفوَّض في خَلْق الله ، ولو لم يكُنْ حريصاً على نفعهم لوجد العذر في كونه لا يفهم منهم ولا يفهمون منه .