الثالثة: سوّى الله تعالى بين النبيّين والمؤمنين في الخطاب بوجوب أكل الحلال وتجنب الحرام ، ثم شمل الكل في الوعيد الذي تضمنه قوله تعالى: {إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} صلى الله على رسله وأنبيائه.
وإذا كان هذا معهم فما ظن كل الناس بأنفسهم.
وقد مضى القول في الطيبات والرزق في غير موضع ، والحمد لله.
وفي قوله عليه السلام:"يمد يديه"دليل على مشروعية مدّ اليدين عند الدعاء إلى السماء ؛ وقد مضى الخلاف في هذا والكلام فيه والحمد لله.
وقوله عليه السلام"فأنَّى يستجاب لذلك"على جهة الاستبعاد ؛ أي أنه ليس أهلاً لإجابة دعائه لكن يجوز أن يستجيب الله له تفضلاً ولطفاً وكرماً.
{وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (52) }
فيه أربع مسائل:
الأولى: قوله تعالى: {وَإِنَّ هذه أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} المعنى: هذا الذي تقدم ذكره هو دينكم وملتكم فالتزموه.
والأمّة هنا الدِّين ؛ وقد تقدم محامله ؛ ومنه قوله تعالى: {إِنَّا وَجَدْنَآ آبَآءَنَا على أُمَّةٍ} [الزخرف: 23] أي على دين.
وقال النابغة:
حلفتُ فلم أترك لنفسك رِيبةً ...
وهل يَأْثَمَنْ ذو أمّةٍ وهو طائع
الثانية: قرئ"وإن هذه"بكسر"إنّ"على القطع ، وبفتحها وتشديد النون.
قال الخليل: هي في موضع نصب لمّا زال الخافض ؛ أي أنا عالم بأن هذا دينكم الذي أمرتكم أن تؤمنوا به.
وقال الفرّاء:"أنّ"متعلقة بفعل مضمر تقديره: واعلموا أن هذه أمتكم.
وهي عند سيبويه متعلقة بقوله:"فاتقون"؛ والتقدير فاتقون لأن أمتكم واحدة.
وهذا كقوله تعالى: {وَأَنَّ المساجد لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ الله أَحَداً} [الجن: 18] ؛ أي لأن المساجد لله فلا تدعوا معه غيره.
وكقوله:"لإِيلاَفِ قُرَيشٍ"؛ أي فليعبدوا ربّ هذا البيت لإيلاف قريش.