ومثل هذا يقع دائماً عندما يطمس التقليد على حركة الفكر وحرية القلب. فلا يتدبر الناس ما هو بين أيديهم من القضايا، ليهتدوا على ضوء الواقع إلى حكم مباشر عليها. إنما هم يبحثون في ركام الماضي عن"سابقة"يستندون إليها؛ فإن لم يجدوا هذه السابقة رفضوا القضية وطرحوها!
وعند هذه الجماعات الجاحدة الخامدة أن ما كان مرة يمكن أن يكون ثانية. فأما الذي لم يكن فإنه لا يمكن أن يكون! وهكذا تجمد الحياة، وتقف حركتها، وتتسمر خطاها، عند جيل معين من {آبائنا الأولين} !
ويا ليتهم يدركون أنهم جامدون متحجرون، إنما هم يتهمون دعاة التحرر والانطلاق بالجنون. وهم يدعونهم إلى التدبر والتفكر، والتخلية بين قلوبهم ودلائل الإيمان الناطقة في الوجود. فإذا هم يتلقون هذه الدعوة بالتبجح والاتهام:
{إن هو إلا رجل به جنة، فتربصوا به حتى حين} ..
أي إلى أن يأخذه الموت، ويريحكم منه، ومن دعوته، ومن إلحاحه عليكم بالقول الجديد!
عندئذ لم يجد نوح عليه السلام منفذاً إلى تلك القلوب الجامدة المتحجرة؛ ولم يجد له موئلاً من السخرية والأذى، إلا أن يتوجه إلى ربه وحده، يشكو إليه ما لقيه من تكذيب ويطلب منه النصر بسبب هذا التكذيب:
{قال: رب انصرني بما كذبون} ..
وعندما يتجمد الأحياء على هذا النحو، وتهم الحياة بالحركة إلى الأمام، في طريق الكمال المرسوم، فتجدهم عقبة في الطريق .. عندئذ إما إن تتحطم هذه المتحجرات؛ وإما أن تدعها الحياة في مكانها وتمضي .. والأمر الأول هو الذي حدث لقوم نوح. ذلك أنهم كانوا في فجر البشرية وفي أول الطريق؛ فشاءت إرادة الله أن تطيح بهم من الطريق:
{فأوحينا إليه أن اصنع الفلك بأعيننا ووحينا، فإذا جاء أمرنا وفار التنور فاسلك فيها من كل زوجين اثنين، وأهلك إلا من سبق عليه القول منهم ولا تخاطبني في الذين ظلموا. إنهم مغرقون} ..