الثالث: الجائز عقلاً ، وبرهان حصر الحكم العقلي في الثلاثة المذكورة ، أن الشيء من حيث هو شيء ، لا يخلو من واحدة من ثلاث حالات: إما أن يكون العقل يقبل وجوده ، ولا يقبل عدمه بحال. وإما أن يكون يقبل عدمه ولا يقبل وجوده بحال. وإما أن يكون يقبل وجوده وعدمه معاً. فإن كان العقل يقبل وجوده ، دون عدمه فهو الواجب عقلاً ، وذلك كوجود الله تعالى متصفاً بصفات الكمال والجلال. فإن العقل السليم لو عرض عليه وجود خالق هذه المخلوقات لقبله ولو عرض عليه عدمه ، وأنها خلقت بلا خالق ، لم يقبله ، فهو واجب عقلاً. وأما إن كان يقبل عدمه ، دون وجوده ، فهو مستحيل عقلاً ، كشريك الله سبحانه وتعالى عن ذلك علواً كبيراً ، فلو عرض على العقل السليم عدم شريك لله في ملكه ، وعبادته لقبله ، ولو عرض عليه وجوده لم يقبله بحال ، كما قال تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا} [الأنبياء: 22] وقال: {إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إله بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ سُبْحَانَ الله عَمَّا يَصِفُونَ} [المؤمنون: 91] فهو مستحيل عقلاً. وأما إن كان العقل يقبل وجوده وعدمه معاً ، فهو الجائز العقلي ، ويقال له الجائز الذاتي ، وذلك كإيمان أبي لهب ، فإنه لو عرض وجوده على العقل السليم لقبله ، ولو عرض عليه عدمه بدل وجوده لقبله أيضاً ، كما لا يخفى ، فهو جائز عقلاً جوازاً ذاتياً ، ولا خلاف في التكليف بهذا النوع الذي هو الجائز العقلي الذاتي.