واعلم أن العرب تستعمل جاء وأتى بمعنى: فعل. فقوله: {فَقَدْ جَآءُوا ظُلْماً وَزُوراً} أي فعلوه وقيل بتقدير الباء: أي جاءوا بظلم ، ومن إتيان بمعنى فعل قوله تعالى: {لاَ تَحْسَبَنَّ الذين يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَوْاْ} [آل عمران: 188] الآية. أي بما فعلوه. وقول زهير بن أبي سلمى:
فما يك من خير أتوه فإنما... توارثه آباء آبائهم قبل
واعلم بأن الإفك هو أسوأ الكذب ، لأنه قلب للكلام عن الحق إلى الباطل ، والعرب تقول: أفكه بمعنى قلبه. ومنه قوله تعالى في قوم لوط {والمؤتفكات أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بالبينات} [التوبة: 70] وقوله {والمؤتفكة أهوى} [النجم: 53] وإنما قيل لها مؤتفكات ، لأن الملك أفكها أي قبلها كما أوضحه تعالى بقوله {فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا} [الحجرات: 74] .
{وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (5) }
ذكر جل وعلا في الأولى من هاتين الآيتين أن الكفار قالوا: إنَّ هذا القرآن أساطير الأولين أي مما كتبهن وسطره الأولون كأحاديث رستم واسفنديار ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم جمعه ، وأخذه من تلك الأساطير ، وأنه اكتتب تلك الأساطير ، قال الزمخشري: أي كتبها لنفسه وأخذها ، كما تقول: استكب الماء واصطبه إذا سكبه وصبه لنفسه وأخذه ، وقوله {فَهِيَ تملى عَلَيْهِ} أي تلقى إليه ، وتُقرأ عند إرادته كتابتها ليكتبها ، والإملاء إلقاء الكلام على الكاتب ليكتبه ، والهمزة مبدلة من اللام تخفيفاً ، والأصل في الإملال باللام ومنه قوله تعالى: {فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الذي عَلَيْهِ الحق} [البقرة: 282] الآية وقوله: {بُكْرَةً وَأَصِيلاً} البكرة: أول النهار ، والأصيل: آخره.