وعن قتادة ذكر لنا أن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بات ليلة على الصفا يفخذ عشيرته فخذا فخذا يدعوهم إلى اللَّه، قال في ذلك المشركون. لقد بات هذا الرجل يهوِّت منذ الليلة.
يقول يصيح، فأنزل اللَّه في ذلك: (قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى) الآية.
ومعنى التخصيص في إنذاره عشيرته في هذه الآية يحتمل وجهين - وإن كانوا داخلين في جملة إنذار الناس جميعًا في قوله: (لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا) إذ هم من العالمين -:
أحدهما: جائز أن يكونوا هم يطمعون شفاعة رسول اللَّه يوم القيامة، وإن لم يطيعوه ولم يجيبوه إلى ما يدعوهم إليه؛ على ما روي عنه أنه قال:"كل نسب وسبب منقطع يومئذ إلا نسبي وسببي"، فيشبه أن يكونوا يطمعون شفاعته يومئذ - وإن خالفوه بحق القرابة والوصلة - ما لا يطمع ذلك غيرهم من الناس إلا بالطاعة والإجابة، فأمره أن ينذرهم؛ لئلا يكلوا إلى شفاعته، ولكن احتالوا حيلتهم بالطاعة والعمل لما يأمر، وهو ما ذكر في الأخبار التي ذكرنا:"إني لا أملك لكم من اللَّه نفعًا ولا ضرًّا، ألا إن أوليائي منكم المتقون"، أخبر أن لا ولاية إذا لم يتقوا مخالفته.
والثاني [....] .
وقوله: (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ(215) قيل: لين جانبك لمن اتبعك من المؤمنين؛ كأنه أمر رسوله أن يتواضع لهم ويرحم، وقال في الوالدين: (وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ) ، وقال في المؤمنين: بعضهم لبعض فيما بينهم (رُحَمَآءُ بينَهُم) ، (أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ) ، ذكر الذل فيما بينهم والرحمة، ولم يذكر في رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - الذل - واللَّه أعلم - لأن الذل كأنه يرجع إلى الخضوع واستخدام بعضهم بعضا، وذلك في رسول اللَّه بعيد لا يحتمل أن يأمره بالخدمة لهم.