آيات الأرض وآيات السماء كافية، وآيات ما جرى على الأمم الماضية والقرون
الخالية، من الإهلاك والتدمير لأجل تكذيبهم الرسل، وردهم أمر الله - جل ذكره -
وإنجاء من آمن وصدق المرسلين، وإن دلك على أنه إنجاء الله المؤمنين من عذاب
الآخرة وتعذيب المكذبين.
وهذا القرآن كتاب الله نزله بلسان عربي مبين، كلام رب العالمين، نزل به
الروح الأمين على قلب محمد - صلى الله عليه وسلم - لينذر الناس ما هم إليه صائرون، فهذه آيات
بينات لكل وجه ومعنى، فما نظروا ولا فكروا وما آمنوا به ولا تعرفوا صدقه من
حيث إعجازه، ولا من حيث هو معلوم لبني إسرائيل، مثبتًا في زبر الأولين، مذكورًا
في صحف المرسلين قبله، أْلا ترى يا محمد أن هذا إضلال منا لهم، لما زاغوا عن
الهداية أزغنا قلوبهم، وأزللنا لذلك أقدامهم عن الصراط المستقيم، أفعلى هؤلاء
يحزن قلبك وتبخع نفسك.
ثم أتبع ذلك قوله - جلَّ جلالُه -: (وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ(198)
وقرأها الحسن:"الأعجميّن"مشددة الياء؛ أي: لو أنزلناه على غير لسانهم، وهم
العرب، فقرأه الأعجمي عليهم ما كانوا به مؤمنين، يقول - عز وجل -: (كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي
قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (200) . يريد المعرضين عن الآيات المكذبين بالكتاب
والرسول، أي: كما نسلك الخطاب العربي في قلوب الأعجمين، وخطاب
الأعجمين في قلوب العربيين، لا يؤمنون به؛ لأنهم لم يسمعوه بقلوبهم ولا فهموه
بعقولهم، بل هم في سماعه كالراعي ينعق بالغنم، فهي لا تسمع إلا دعاء ونداء
صوتًا يفزع الأسماع لا غير، بل هؤلاء أسوء حالاً من البهائم في التأني وقلة
الطواعية؛ إذ الراعي يزجر تلك فتنزجر، وهؤلاء لا يعقلون.
يقول - عز وجل -: (لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ(201) . فيومئذ لا
ينفعهم إيمانهم، ثم قال - عز وجل -: (أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ(204) . لقولهم:(مَتَى
هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) (ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ(29) .