فهرس الكتاب
وتعد هذه الآية من الآيات البليغات جداً في القرآن، والقرآن كله بليغ، ولكن هذه الآية لها خصوصيةٌ في البلاغة، والله تعالى يصوِّر من خلالها بلاغة هذه النملة وفصاحتها وطيب نفسها وحسن خلقها وجمال حياتها، حيث خافت على أخواتها النمل، خافت عليهم فنصحتهم أن يرجعوا إلى الحصن ليتحصَّنوا فيه من هذا الخطر القادم عليهم وسيقتلهم ويُنهي حياتهم دون أن يشعر"يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ".
فصار اسم السورة سورة النمل، بعض العلماء حينما نظر في السورة وجد الهدهد أكبر ودوره أعظم، النملة أنقذت أمةً من النمل، لكن الهدهد أنقد أمةً بشرية، أمةً من الأمم البشرية التي ليست من جنسه فلم يكن دوره قاصراً على الهداهد مثله وإنما تعدى خيره إلى بني الإنسان، فسمى السورة سورة الهدهد فهو أولى بذلك، ورأى آخرون أن السورة تحكي موقفاً ومشهداً عظيماً من مشاهد قصة نبي الله سليمان الملك عليه سلام الله لم يُذكر في سورةٍ أخرى، فقال بل هي سورة سليمان، لكن الحكمة فيما قال الله [1] .
إذا كانت هذه سورة النمل، واستحقت النمل أن تكون عنواناً على سورة قرآنية مع صغر حجمها وبطء حركتها وقلة دورها - في نظرنا - فما بالك بما هو أكبر منها، إنه يستحق أكثر وأكثر، فالتنبيه على الأقل أو القليل يدل على التنبيه على الكثير، ففي كل ذلك حكمةٌ ودلالة، لكن الاسم الذي وردت به السورة هو اسم النمل، ولم يقل الله سورة النملة، وإن كانت المتكلمة هي نملة واحدة؛ ذلك ليدل سبحانه وتعالى ويشير إلى أن النمل كله على هذه الصفة الجميلة التي ظهرت من هذه النملة، فلم تكن نملةً حسنة الخلق وبقية النمل على سوء خلق، لم تكن هذه النملة هي الحريصة فقط على أخواتها ولو كانت غيرها مكانها لما فعلت ذلك، لا، بل كل النمل يخاف على بعضه، ويحتضن إخوانه، ويحمي حمى بعضه، ويعيشون في سلامٍ ووئام عجز عن تحقيقه البشر بآماله الطاغية وأحلامه الحالمة، وإن كانت على غير حق، فتعلموا من النمل.