فهرس الكتاب
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (13) وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (14) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَلَمَّا جَاءَتْ فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ آيَاتُنَا، يَعْنِي أَدِلَّتَنَا وَحُجَجَنَا، عَلَى حَقِيقَةِ مَا دَعَاهُمْ إِلَيْهِ مُوسَى وَصِحَّتِهِ، وَهِيَ الْآيَاتُ التِّسْعُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا قَبْلُ.
وَقَوْلُهُ {مُبْصِرَةً}
يَقُولُ: يُبْصِرُ بِهَا مَنْ نَظَرَ إِلَيْهَا وَرَآهَا حَقِيقَةً مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ.
عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ:" {مُبْصِرَةً} قَالَ: بَيِّنَةً"
{قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ}
يَقُولُ: قَالَ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ: هَذَا الَّذِي جَاءَنَا بِهِ مُوسَى سِحْرٌ مُبِينٌ، يَقُولُ: يَبِينُ لِلنَّاظِرِينَ لَهُ أَنَّهُ سِحْرٌ.
وَقَوْلُهُ: {وَجَحَدُوا بِهَا}
يَقُولُ: وَكَذَّبُوا بِالْآيَاتِ التِّسْعِ أَنْ تَكُونَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ.
وَقَوْلُهُ: {وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ}
يَقُولُ: وَأَيْقَنَتْهَا قُلُوبُهُمْ، وَعَلِمُوا يَقِينًا أَنَّهَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، فَعَانَدُوا بَعْدَ تَبَيُّنِهِمُ الْحَقَّ، وَمَعْرِفَتِهِمْ بِهِ.
قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: اسْتَيْقَنُوا أَنَّ الْآيَاتِ مِنَ اللَّهِ حَقٌّ، فَلِمَ جَحَدُوا بِهَا؟ قَالَ: ظُلْمًا وَعُلُوًّا""
وَقَوْلُهُ: {ظُلْمًا وَعُلُوًّا}
يَعْنِي بِالظُّلْمِ: الِاعْتِدَاءَ، وَالْعُلُوِّ: الْكِبْرَ، كَأَنَّهُ قِيلَ: اعْتِدَاءً وَتَكَبُّرًا.
وَمَعْنَى ذَلِكَ: وَجَحَدُوا بِالْآيَاتِ التِّسْعِ ظُلْمًا وَعُلُوًّا، وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ أَنَّهَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، فَعَانَدُوا الْحَقَّ بَعْدَ وُضُوحِهِ لَهُمْ، فَهُوَ مِنَ الْمُؤَخَّرِ الَّذِي مَعْنَاهُ التَّقْدِيمُ.
وَقَوْلُهُ: {فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ}