عالمهم تبيينه لمتعلمهم، كقوله في أول هذه السورة: {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ} فقد أمر بإخلاص العبادة، والمراد: هو وأمته، وكقوله:
{وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} فكان المراد في المواضع التي استعملت فيها «إلى» أنه تناهى إلى حيث لا متعدي وراءه من عالم سنة مقصورة عليه، فكل موضع عدي فيه الإنزال بعلى، فإن المراد به: أنه شرفك وأعلى بذلك ذكرك لتؤدي ما عليك، فتنذر وتبشر فمن قبل فحظه أصاب، ومن أعرض فنفسه أوبق، ويكون فيه تهديد لمن ترك القبول، لقوله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتَابَ} ثم قال:
{لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ} وكما قال في هذه السورة: {إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ} فقد أسقط عنه في ظاهر اللفظ القصد إلى الوعيد، ما ألزمه عند قوله في الآية التي في سورة النساء: {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيماً} فمن عرف حقيقة اللفظين وتخصيص كل مكان بواحد منهما، علم أن ما جاء عليه في أول هذه السورة هو مميز عما جاء عليه في وسطها، ولم يخف عليه الفرقان بينهما والسلام.
الآية الثانية من سورة الزمر
قوله تعالى: {قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ} .