المعنى: أنك قدمتَ حياتك وضحيت بها فعُصمْتَ من الموت، لأنك بعد أنْ متَّ صِرْتَ حياً فوصلتَ حياتك في الدنيا بحياتك في الآخرة، وهبتَ الحياة فوُصِلتْ الحياة.
والشهادة على العبد يوم القيامة لا تنتهي عند هذا الحد، فبعد أنْ شهدت عليه الملائكة بالكتاب الذي سطّروه، وشهد عليه الأنبياء والشهداء ننقل الشهادة إلى ذاتك أنت، فهذا تدرّج في الشهادة من الملائكة وهم من جنس غير جنسك، إلى الأنبياء والشهداء وهم من جنسك، إلى جوارحك وهي قطعة منك:
{الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَآ أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} [يس: 65] .
وقال سبحانه:
{يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [النور: 24] .
وقال تعالى:
{حَتَّى إِذَا مَا جَآءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ * وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُواْ أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [فصلت: 20 - 21] .
لكن كيف تشهد الأعضاء والجوارح على صاحبها وكانت في الدنيا هي أداة الفعل، فاللسان هو الذي قال، واليد هي التي بطشتْ، والرِّجْل هي التي سعتْ .. إلخ؟ قالوا: لأن الله تعالى خلق لعبده الجوارح وسخرها لمراده، وأمرها أنْ تطيعه فيما يريد، فاللسان مُسخَّر لخدمة صاحبه إنْ أراد أن يقول لا إله إلا الله قالها. وإنْ أراد أنْ ينطق بكلمة الكفر نطق بها، وهكذا بقية الجوارح.
إذن: طالما الإنسان في الدنيا فالولاية على الجوارح لمراد الإنسان المخيَّر، والجوارح تابعة لمراده، فإذا ما بُعثنا وعُرضنا على الخالق سبحانه انحلَّتْ هذه الإرادة وسُلبت فلا إرادةَ لأحد إلا لله
{لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} [غافر: 16] وعندها تتحرر الأعضاء وتقف موقف الشاهد الصدق.