وكذلك تارك الصلاة إنما يتأسف عليها عند اليأس منها، وذلك عند الموت.
وروى أبو نعيم عن كعب رحمه الله تعالى قال: ليس شيء أشد على إبليس وجنوده الشياطين، ولا أكثر لبكائهم من أن يروا مسلماً ساجداً؛ يقولون: بالسجود دخلوا الجنة، وبالسجود دخلنا النار.
أي: بالسجود دخلوا الجنة إجابة، وبالسجود دخلنا النار إباءة.
وروى ابن أبي الدنيا عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: أن إبليس - لعنه الله - لقي موسى عليه السلام فقال: يا موسى! أنت الذي اصطفاك الله برسالته وكلمك تكليماً، وأنا من خلق الله تعالى أذنبت وأنا أريد أن أتوب، فاشفع لي إلى ربك أن يتوب علي، قال موسى: نعم، فدعا موسى ربه تعالى، فقال: يا موسى! قد قضيت حاجتك، فليسجد لقبر آدم، فلقي موسى إبليس، فقال له: أمرت أن تسجد لقبر آدم ليتاب عليك، قال: فاستكبر وغضب، وقال: لم أسجد له حياً، أأسجد له ميتا؟ ثم قال: يا موسى! إن علي حقاً مما شفعت لي إلى
ربك، فاذكرني عند ثلاث لا أهلكك فيهن:
اذكرني عندما تغضب؛ فإن وحيي في قلبك، وعيني في عينك، وأجري منك مجرى الدم.
واذكرني حين تلقى الزحف؛ فإني آتي ابن آدم حين يلقى الزحف فأذكره ولده، وزوجته، وأهله حتى يولي.
وإياك أن تجالس امرأة ليست بذات محرم لك؛ فإني رسولها إليك ورسولك إليها.
* تَنْبِيْهٌ:
كان سجود الملائكة عليهم السلام لله تعالى، وآدم عليه السلام كان كالقبلة لهم، فعبادتهم لله تعالى لا لآدم، وإبليس فَهِمَ أن العبادة لآدم فلذلك امتنع من السجود رأياً، وكان حقه أن لا يرى ولا يقيس مع وجود النص بالأمر بالسجود.
على أن السجود حق لله تعالى، ولصاحب الحق أن يتبرع به لمن يشاء، فالله تعالى أمر بالسجود لآدم تفضلاً عليه من حيث إنه خليفة، ثم لم يأذن فيه لغير آدم إلا أن يكون ذلك مشروعاً في غير ملتنا، فيكون قد أذن لهم فيه، ثم لم يأذن به في ملتنا، فليس لأحد أن يسجد لأحد، بل ليس لغير الملائكة أن يسجدوا لآدم ولا لغيره من أولاده إلا
إن كان مشروعا في ملة غير ملتنا، فإن الأمر بالسجود لآدم خاص بالملائكة عليهم السلام لحكمة ظهرت أسرارها وبهرت أنوارها.