ثم قال: {أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ} هذا على التقرير والتوبيخ لهم ، ومعناه: لم يشهدوا خلق الملائكة ، فكيف تجرؤوا على وصفهم بالإناث.
ثم قال تعالى: على التهدد والوعيد لمن فعل ذلك (ولمن يقول ذلك) : {سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ} ، أي: يسألون عن قولهم وافترائهم يوم القيامة ، ولن يجدوا إلى الاعتذار من قولهم سبيلاً .
ثم قال تعالى: {وَقَالُواْ لَوْ شَآءَ الرحمن مَا عَبَدْنَاهُمْ} ، أي: وقال هؤلاء المشركون: لو شاء الرحمن ، ما عبدنا أوثاننا من دونه ، وإنما لم تحل بنا العقوبة على عبادتنا إياها لرضاه عنا.
قال مجاهد: لو شاء الرحمن ما عبدناهم يعني الأوثان ، والمعنى: هو أمرنا بعبادتها ، دل على ذلك: قوله: {مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ} ، أي: يكذبون . فهذا الرد عليهم لا يحتمل أن يكون رد الظاهر من قولهم: {وَقَالُواْ لَوْ شَآءَ الرحمن مَا عَبَدْنَاهُمْ} ، لأنه قول صحيح لا يرد ولا ينكر . كما أن قولهم - إذا سُئِلُوا عمن خلق السماوات والأرض فقالوا خلقهن العزيز العليم لا يرد ولا ينكر.
ثم قال تعالى: {مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ} هذا مردود إلى أول الآية.
والتقدير: {وَجَعَلُواْ الملائكة الذين هُمْ عِبَادُ الرحمن إِنَاثاً} {مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ} ، أي: ما لهم بقولهم الملائكة إناثاً من علم ، وقيل: إن ذلك مردود على ما قبله ، والتقدير: وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدنا هذه الأوثان ، ثم قال الله: ما لهم بذلك من علم ، أي: من عذر يقوم لهم في عبادتهم الأوثان لأنهم رأوا أن ذلك
عذرهم . فرد الله عز وجل عليهم.
فالمعنى: ما لهم من علم بحقيقة ما يقولون: (من ذلك) ، إنما يقولونه تخرصاً واختراعاً من عند أنفسهم لأنهم لا خبر عندهم من الله عز وجل أن الله سبحانه شاء عبادتهم الأوثان ، ورضي بذلك منهم.