فالجوابُ أن البصر شيئْان حسِّي ومعنوي، فالحسِّيُّ رؤيةُ المخلوقات وعجائبِها، والمعنوي الاستدلالُ على الوحدانية، وهو الإبصارُ النّافع، والأولُ شرطٌ في الثاني، وقدْ يحصُل عنه وقدْ لا يحصُل، فالمنْفِيُّ هناك عن أبصارهم العَمَى الحسي، واتصافها بالإبصار النافع، والمثْبَت هنا العمى المعنوي، بمعنى أنَّهُم ينظرون فلا ينتفعون بنظرهم، فكأنهم ليس لهم إدراكٌ ألبَتَّةَ، فالمثبت غير المنفي.
24 - {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ} :
لم يقل"يتفكرون ولا يتذكرون"؛ لأنّ هذيْن استحضار في متوقّعٍ في
الماضي تُنُوسى، والتدبُّر استحضارُ أمْرٍ مستقبَل متوقّع مجيئُه؛ والكفارُ لم يكن لهم شعورٌ بالقرآن بوجْهٍ، لنزولِه شيئا بعد شيء.
{أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} :
"قلوب"جمع كثرة، و"أقفال"جمع قلة، والقليلُ إذا وُزِّعَ على الكثير لا يعُمه، والجوابُ من وجهين:
(أ) - أن كلّ قلبٍ عليه أقفال.
(ب) -: أن"أقفال"مصدرٌ لا جمعٌ، بدليل قراءة كسر الهمز من (أسرَارَهُمْ) ، قُرِئ بفتح الهمزة وبكسرِها، إمّا جمع"سِرّ"، أو مصدر، وهو أبلغ؛ لأنّ إدراكَ المعنى يستلزمُ إدراك اللفظ.
30 - {فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ} :
يؤخذ منه شهادةُ الشاهدِ على خطِّه، هذه فائدةٌ فقهية؛
ويؤخذ منه أيضا فائدةٌ منطقية، وهي إفادةُ الرسم معرفة المعرّف.
فإن قلت: الرؤية تُغْني عن السِّيما، لأنّ رؤيةَ البصر أبلغ، فكيف أكَّدَ الأقوى بالأضعف؟. فقولُ الشاهدِ: هذا هو الذي شهِدتُ عليه؛ هو أبلغُ من معرفتِه إياه بصفاته.
فالجوابُ: أن السِّيما لدوام المعرفة في المستقبل، أو كان أولاً يعرفهم بالسيما، ثم عَرَفَهم بالرؤية التي هي أبلغ.
- {فِي لَحْنِ الْقَوْلِ} :
أي مقتضاه، كقول الأصوليين لحن الخطاب. وقد أطال أبو علي القالي في"الأمالي"الكلامَ في لفظ اللحن، وقال:"لحن القول"ولم يقل
"لحن الكلام"، ليتناولَ الكلمةَ المفردة.