{إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} [الحج: 14] ثم فسّر تلك الأنهار فالمعنى {مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ} مما قد عرفتموه في الدنيا من الجنات والأنهار جنّة {فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ} وفي قراءة أهل مكة فيما ذكره أبو حاتم {غَيْرِ آسِنٍ} على فعل يقال: أسن الماء يأسن ويأسن أسنا وأسونا فهو آسن وأسن يأسن أسنا فهو أسن، وتحذف الكسرة لثقلها، فيقال: أسن، إذا أنتن. فإن تغيّر قالوا أجن الماء يأجن ويأجن {وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ} نعت خمر بمعنى ذات لذة ويجوز لذّة نعت لأنهار، ويجوز النصب على المصدر، كما تقول: هو لك هبة. {كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ} الكاف في موضع رفع وهي مرافعة كمثل عند الكسائي كما بيّنّا، وأما الفراء فالتقدير عنده: أمن هو في هذه الجنات كمن هو خالد في النار {وَسُقُوا مَاءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ} جمع معى وهو يذكّر ويؤنّث. وروى أبو أمامة الباهلي عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في قول الله جلّ وعزّ: {وَسُقُوا مَاءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ} قال: «إذا قرّب منه تكرّهه، وإذا أدني منه شوى وجهه ووقعت فروة رأسه ولحم وجهه فيه، فإذا شربه قطّع أمعاءه وخرج من دبره» .
[سورة محمد (47) : آية 16]
{وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَا ذَا قَالَ آنِفاً أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (16) }
{وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ} على لفظ «من» {حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ} على المعنى. قال عبد الله بن بريدة: قالوا ذلك لعبد الله بن مسعود {أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ} على المعنى أيضا.
[سورة محمد (47) : آية 17]
{وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ (17) }