ووردت الأخبار المتواترة فلا عذر في ردها والذهاب عنها.
وأما قول الله - عز وجل - ولا تشفعون إلا لمن ارتضى أن تشفعوا له، كما قال: {مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} ولا يحتمل أنه غير ذلك.
لأن المرتضين عند الله لا يحتاجون إلى شفاعة ملك أو نبي.
فصح أن المعنى ما قلنا، ولا يجوز أن يقال: إن الله - عز وجل - لا يرتضي أن يشفع لصاحب الكبيرة لأن المذنب هو الذي يحتاج إلى الشفاعة، حائلاً بينه وبين الشفاعة.
فإن قيل: ما جزاء الشفاعة للكافر؟
قيل: امتناع الشفاعة للكافر لأن ذنبه كبير، تعالى الباري المشفوع إليه جل ثناؤه، أو الرسول الشافع صلوات الله عليه، أو لأن الله - عز وجل - أخبر أنه لا يشفع فيه أحد، فهذه المعاني كلها معدومة في صاحب الكبيرة من أهل القبلة، فجاز أن يشفع له عند النبي - صلى الله عليه وسلّم - ، وليس ذلك بمخالفة خشية الله - عز وجل - لأن الشفاعة لا تكون إلا بعد الإذن من الله تعالى فيها.
وإذا جاء الإستئذان والتوقيف إلى أن يكون الإذن، فقد وفيت الخشية حقها والله أعلم.
وأما قول الله عز وجل: {يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً} .
فإنه لا يدفع الشفاعة لأن المراد بالملك، الدفع بالقوة، كما يكون في الدنيا أن يدفع الناس بعضهم عن بعض وعن أنفسهم بالقوة، ولا يكون ذلك يوم الدين.
والشفاعة ليست من هذا الباب لأن ذلك من ذي الشفاعة للمشفوع عنده، وإقامة الشفيع بذلك من المشفوع له، فلا يوم أليق به وأشبه بأحواله من يوم الدين.
فأما قول النبي - صلى الله عليه وسلّم -: «يا بني عبد مناف اشتروا أنفسكم من الله، فإني لا أغني عنكم من الله شيئاً» .
فقد يخرج على أن يكون نهاهم عن التقصير في حقوق الله اتكالاً على أنهم عترة رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - ، ولعلهم لا يسألون عما يعملون لأجله.
فأخبرهم أن أفضالهم به لا يسقط عليهم تقلب أعمالهم، وأنهم مسئولون ومحاسبون كغيرهم، وأمرهم بعد ذلك إلى الله تعالى إن شاء عذبهم وإن شاء عفا عنهم، ولم يرد به أن لا يشفع عنهم، وليست الشفاعة أغنى عنهم من الله شيئاً، لأن الشفاعة فيما بينا ليست بمرحبة، فكيف يتوهم أن تكون الشفاعة عند الله تعالى مرحبة وبالله التوفيق.
وأما قولهم أن الشفاعة لو كانت واقعة لأصحاب الكبائر فيه لما جاز أن يخبر بها لما في ذلك من تجربة الخاطئين في خطاياهم.