هذه الآية الكريمة لبيان أَن شأنه - تعالى - مع عباده ليس كشأن السادة مع عبيدهم؛ لأنهم إنما يملكونهم ليستعينوا بهم في تحصيل معاشهم وأرزاقهم أو للقيام على خدمتهم ورعايتهم ففيها نفى أَن يكون ملكه إياهم لذلك، فكأنه - سبحانه وتعالى - قال: ما أريد أن أستعين بهم كما يستعن ملَّاك العبيد بعبيدهم، وما أريد منهم تحصيل رزق؛ فأنا الرزاق الغنى عن العالمين وما أريد أَن يطعمونى؛ فأنا أطعم ولا أطعم، غنى عنهم وعن مُرافقتهم، فليشتغلوا بما ينفعهم ويسعدهم وما خلقوا لأجله بن عبادتى وطاعتى والخضوع لي.
وفي الآية الكريمة لطائف:
الأولى: أنّه - سبحانه وتعالى - كرر نفى الإرادتين؛ لأن السيد قد يطلب من العبد التكسب له وهو طلب الرزق وقد لا يطلب؛ لأنه غنى، ولكن يطلب قضاة حوائجه من حفظ المال وإحضار الطَّعام، فنفى الإرادة الأولى لا يستلزم نفى الإرادة الثانية؛ فكرر النفى على معنى لا أريد هذا ولا أريد ذلك.
الثانية: أَن ترتيب النفيين كما تضمنّه النظم الجليل من باب الترقى في بيان غناه - عز وجل - فكأنه - سبحانه: لَا أريد منهم رزقًا ولا ما هو دون ذلك من تقديم الطعام.
الثالثة: أنه - سبحانه وتعالى - قال: (مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ) دون ما أُريد منهم أَن يرزقون؛ لأن المقصود عين الرزق لا الفعل.
وقال - سبحانه - (وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ) دون: وما أريد من طعام؛ لأن المقصود نفى الفعل نفسه - وهو تقديم الطعام - والمراد أَن الله - تعالى - غنى عن أَن يقدم عباده له رزقًا أو يقوموا على خدمته.
58 - (إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُوالْقُوَّةِ الْمَتِينُ) :