وأخرج عن ميمونة مرفوعاً"أن الرجل ليشتهي الطير في الجنة فيجيء مثل البختي حتى يقع على خوانه لم يصبه دخان ولم تمسه نار فيأكل منه حتى يشبع ثم يطير"إلى غير ذلك ، وإذا كان الأمر كما ذكر استغنى عن طوافهم بالفاكهة واللحم ، وأجيب بأن ذلك والله تعالى أعلم حالة الاجتماع والشرب ، ويفعلون ذلك للإكرام ومزيد المحبة والتعظيم والاحترام ، وهذا كما يناول أحد الجلساء على خوان الآخر بعض ما عليه من الفواكه ونحوها وإن كان ذلك قريباً منه اعتناءاً بشأنه وإظهاراً لمحبته والاحتفال به ، وجوز أن يكون العطف على {جنات النعيم} [الواقعة: 12] وهو من باب متقلداً سيفاً ورمحاً أو من بابه المعروف ، وتقديم الفاكهة على اللحم للإشارة إلى أنهم ليسوا بحالة تقتضي تقديم اللحم كما في الجائع فإن حاجته إلى اللحم أشد من حاجته إلى الفاكهة بل هم بحالة تقتضي تقديم الفاكهة واختيارها كما في الشبعان فإنه إلى الفاكهة أميل منه إلى اللحم ، وجوز أن يكون ذلك لأن عادة أهل الدنيا لا سيما أهل الشرب منهم تقديم الفاكهة في الأكل وهو طباً مستحسن لأنها ألطف وأسرع انحداراً وأقل احتياجاً إلى المكث في المعدة للهضم ، وقد ذكروا أن أحد أسباب الهيضة إدخال اللطيف من الطعام على الكثيف منه ولأن الفاكهة تحرك الشهوة للأكل واللحم يدفعها غالباً.
ويعلم من الوجه الأول وجه تخصيص التخير بالفاكهة والاشتهاء باللحم ، وفيه إشارة إلى أن الفاكهة لم تزل حاضرة عندهم وبمرأى منهم دون اللحم ووجه ذلك أنها مما تلذه الأعين دونه ، وقيل: وجه التخصيص كثرة أنواع الفاكهة واختلاف طعومها وألوانها وأشكالها وعدم كون اللحم كذلك ، وفي التعبير بيتخيرون دون يختارون وإن تقاربا معنى إشارة لمكان صيغة التفعل إلى أنهم يأخذون ما يكون منها في نهاية الكمال وأنهم في غاية الغنى عنها ، والله تعالى أعلم بأسرار كلامه.