قوله الحق: (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ(46)
اعلم - وفقنا الله وإياك - أن داخل الجنة مصيره إلى جنتين، أعربت عن ذلك حقيقة
الوجود. جنة مصيف وجنة شتاء، بل إلى أربع جنات، آية ذلك انقسام السنة إلى
أربعة فصول جعا الله - جل ذكره - لكل فصل فوائده وثماره من غير قطع لشيء
من ذلك ولا إغباب.
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"جنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما وجنتان من فضة آنيتهما"
وما فيهما"وكما انقسمت الدنيا إلى موجود جهنم لأجل فيحها، فكذلك انقسمت"
الدنيا إلى موجود الجنة لأجل فتح الله برحمته إليها وإرادة الله فيها ومنها بتغليب
رحمته على عذابه حتى سخر لعباده جهنم وهي أعدا عدو لهم، فأخرج لهم منها
وبها بواسطة رحمته الزرع والنخيل والزيتون والرمان والأعناب والجنات
المعروشات وغير المعروشات ومن كل الثمرات.
يقول الله - جل من قائل: (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ(47) .
(وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ(105) .
نظم بذلك: (ذَوَاتَا أَفْنَانٍ(48) . يصف الجنتين، وأن أشجارهما لها الأفنان.
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام ما"
يقطعها"ثم قال:"اقرؤوا إن شئتم: (وَظِلٍّ مَمْدُودٍ(30) . وإنما وصفهما
بهذا وأحال على ما خلفه في هذه الدار من أشجارها وموجود أفنانها على اختلاف
ذلك.
ثم قال للثقلين: (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ(49) . وفي مفهوم هذا أن
للجن في غيب مستقرهم ومتاع متعوا به إلى حين شجر وأفنان وجنات غائبة عنا
كذلك قال - عز من قائل: (اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا) (بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ
وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (36) . ولهم إذن أبنية وأدؤر
وقصور وجنات، كما لهم نساء أبكار وعون، كما لهم دواب وأنعام سوى ما أبيح
لهم من مشاركتهم الأنس في بعض أموالهم وأولادهم، فإن الله - جلَّ جلالُه - قرن بيننا وبينهم