"وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا" (الكهف:35)
إلى قوله تعالى:
"وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً" (الكهف: 42)
ألا ترى إلى قوله لفرط غفلته، وطول أمله، واغتراره بجنته:"مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا". إنه لم يتخيل هلاكها أبدًا، فلما ظهر له أنها مما يعتريه الهلاك، ندم على ما صنع.
أما جعل الماء العذب أجاجًا فهو مما يتخيل وقوعه، وإن لم يقع. ومثله في تخيل الوقوع، والتعجيل به عقب المشيئة قوله تعالى:
"أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأَرْضَ مِن بَعْدِ أَهْلِهَا أَن لَّوْ نَشَاء أَصَبْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ" (الأعراف: 100)
ولهذا عقَّب تعالى على جعل الماء أجاجًا بقوله:
"فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ"
وهو تحضيض لهم على الشكر بإخلاص العبادة لله تعالى وحده على هذه النعمة، التي هي أعظم النعم.
ومثل تهديد الكفار بجعل الماء المنزل من المزن أجاجًا تهديدهم بجعل ماء الأرض غورًا. وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى:
"قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً فَمَن يَأْتِيكُم بِمَاء مَّعِينٍ" (الملك: 30)
فكيف يمكن القول بعد هذا: إن جعل الماء أجاجًا أسهل وأكثر من جعل الزرع حطامًا، وإنالوعيد بفقد الزرع أشد وأصعب من الوعيد بفقد الماء، فاحتاج الأول إلى تأكيده باللام، دون الثاني؟ ألا ترى أنه لولا الماء، لما كان هناك زرع، ولا شجر، ولا حيوان، ولا بشر؟ ألم يسمعوا قول الله تعالى:
"وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ" (الأنبياء: 30) ؟
ومما يدلك أيضًا على فساد ما ذهبوا إليه أن من يتأمل الآيات، التي أدخلت اللام فيها على جواب"لَوْ"، يجد أن هذه اللام تقوم مقام السين، وسوف في الدلالة على التسويف في إيقاع الفعل تارة، والمماطلة تارة أخرى. وأوضح ما يكون ذلك في قوله تعالى في صفة الكافرين: