قال أكثر المفسرين {وَبُسَّتِ الجبال بَسّاً} أي فتت تفتيتاً حتى صارت كالبسيسة ، وهي دقيق ملتوت بسمن ، ومنه قول لص من غطفان أراد ان يخبز دقيقاً عنده فخاف أن يعجل عنه ، فأمر صاحبيه أن يلتاه ليأكلوه دقيقاً ملتوتاً ، وهو البسيسة.
لا تخبزا خبرزاً بوسابسا... ولا تطيلا بمناخ حبسا
وهذا الوجه يشهد له قرآن كقوله تعالى: {يَوْمَ تَرْجُفُ الأرض والجبال وَكَانَتِ الجبال كَثِيباً مَّهِيلاً} [المزمل: 14] ، فقوله: {كَثِيباً مَّهِيلاً} أي رملاً متهايلاً ، ومنه قول امرئ القيس:
ويوماً على ظهر الكثيب تعذرت... علي وآلت حلفة لم تحلل
ومشابهة الدقيق المبسوس بالرمل المتهايل واضحة ، فقوله: {وَكَانَتِ الجبال كَثِيباً مَّهِيلا} مطابق في المعنى لتفسير {وَبُسَّتِ الجبال} بأن بسها هو تفتيتها وطحنها كما ترى.
وما دلت عليه هذه الآية من أنها تسلب عنها قوة الحجرية وتتصف بعد الصلابة والقوة باللين الشديد الذي هو كلين الدقيق ، والرمل المتهايل يشهد له في الجملة تشبيهها في بعض الآيات بالصوف المنفوش الذي هو العهن ، كقوله تعالى: {وَتَكُونُ الجبال كالعهن المنفوش} [القارعة: 5] ، وقوله تعالى: {يَوْمَ تَكُونُ السمآء كالمهل وَتَكُونُ الجبال كالعهن} [المعارج: 8 - 9] وأصل العهن أخص من مطلق الصوف لأنه الصوف المصبوغ خاصة. ومنه قول زهير بن أبى سلمى في معلقته:
كأن فتاة العهن في كل منزل... نزلن به حب الفنا لم يحطم
وقال بعضهم: الجبال منها جدد بيض وحمر ومختلف ألوانه وغرابيب سود ، فإذا بست وفتتت يوم القيامة وطيرت في الجو أشبهت العهن إذا طيرته الريح في الهوى ، وهذا الوجه يدل عليه ترتيب كينونتها هباء منبثاً بالفاء على قوله: {وَبُسَّتِ الجبال بَسّاً} لأن الهباء هو ما ينزل من الكوة من شعاع الشمس إذا قابلتها: {مُّنبَثّاً} أي متفرقاً ، ووصفها بالهباء المنبث أنسب لكون البس بمعنى التفتيت والطحن.