فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ أي ستعلم يا محمد، وسيعلم الكفار المشركون مخالفوك ومكذبوك في الدنيا ويوم القيامة من المفتون المجنون الضالّ منكم ومنهم؟ وهذا ردّ على زعمهم أن محمدا صلّى الله عليه وسلّم كان مفتونا ضالّا. فالمراد بالمفتون: الذي فتن بالجنون. وهو أسلوب رفيع من الخطاب، فيه البعد عن الإثارة، ولفت النظر والعقل.
وهذا التهديد كقوله تعالى: سَيَعْلَمُونَ غَداً مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ [القمر 54/ 26] . وقوله سبحانه: وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ [سبأ 34/ 24] .
ثم أكّد الله تعالى الوعيد والوعد بقوله:
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ أي إن الله ربّك يعلم من هو في الحقيقة الضالّ، أنت أم من اتّهمك بالضلال، ومن هو المهتدي من الفريقين منكم ومنهم، هداية موصلة إلى السعادة العاجلة والآجلة؟
والمعنى: بل هم الضالون، لمخالفتهم لما فيه نفعهم في العاجل والآجل، واختيارهم ما فيه ضرهم، وسيجازي الله كل فريق بما يستحق من العقاب والثواب.
والمراد بالضلال: ضلال الدين والعقيدة، وبالاهتداء: الهداية إلى الدين.
وفيه تعريض بأبي جهل بن هشام والوليد بن المغيرة وأمثالهما.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلّت الآيات على ما يأتي:
1 -القسم بالقلم وبالمكتوب إشارة إلى خطرهما، وعظيم أثرهما ونفعهما في ميادين العلم والمعرفة والتقدم والحضارة.
2 -المقسم عليه ثلاثة أمور: نفي الجنون عن النبي صلّى الله عليه وسلّم كما زعم الكفار، واستمرار الثواب الجزيل والعطاء العظيم له، وكونه صاحب الخلق العظيم، وهو خلق القرآن، وهو أصح الأقوال كما ثبت في صحيح مسلم وغيره عن عائشة.
ووجود هذه النعم الكثيرة على النبي صلّى الله عليه وسلّم من الله عزّ وجل، وظهورها في حقه من الفصاحة وكمال العقل والاتصاف بكل مكرمة، ينافي حصول الجنون، وكلام الأعداء نوع من الهذيان.
والخلق: ملكة نفسانية يقدر معها على الإتيان بالفعل الجميل بسهولة، فإذا وصف بالعظم وهو كونه على النهج الأفضل، لم يكن خلق أحسن منه.