وقوله تعالى:"فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ"تعجيبٌ من تقديره ورميه الغرض، الذي كانت تنتحيه قريش. أو ثناء عليه على طريقة الاستهزاء به. أو هو حكاية لما كرروه من قولهم: قتل كيف قدَّر، تهكمًا بهم، وبإعجابهم بتقديره، واستعظامهم لقوله.
أما قوله تعالى:"ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ"فهو تكرير للمبالغة. و"ثُمَّ"للدلالة على أن ما بعدها أبلغ مما قبلها.
أما في قوله تعالى:"ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ"فهي باقية على أصلها من الدلالة على التراخي الزماني. أي: ثم نظر في القرآن مرة بعد مرة، ثم قطَّب وجهه، لمَّا لم يجد فيه مطعنًا، ولم يدر ماذا يقول. وقيل: نظر في وجوه الناس، ثم لمَّا عسُر عليه الرد، قطَّب وجهه وبسَر. أي: كلح، ثم أدبر عن الحق، واستكبر عن اتباعه،"فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ". أي: يروَى ويتعلَّم.
وإنما عطف هذا بالفاء بعد أن عطف ما قبله بـ"ثُمَّ"، للدلالة على أن هذه الكلمة، لما خطرت بباله، لم يتملك أن نطق بها من غير تلعثم وتلبث. ثم أكَّدَ ذلك بقوله:"إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ"؛ ولذلك لم يوسِّط بين الجملتين بأداة العاطف.
وقد روي عنه - أي: عن الوليد بن المغيرة - أنه قال لبني مخزوم:"والله لقد سمعت من محمد آنفًا كلامًا ما هو من كلام الإنس، ولا من كلام الجن، إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه يعلو، وما يعلى. فقالت قريش: صَبَأ، والله الوليد. والله لتصبأن قريش كلهم. فقال ابن أخيه أبو جهل: أنا أكفيكموه، فقعد عنده حزينًا، وكلمه بما أحماه، فقام، فأتاهم، فقال: تزعمون أن محمدًا مجنون، فهل رأيتموه يخنق؟ وتقولون: إنه كاهن، فهل رأيتموه يتكهن؟ وتزعمون أنه شاعر، فهل رأيتموه يتعاطى شعرًا قط؟ وتزعمون أنه كذاب، فهل جربتم عليه شيئًا من الكذب؟ فقالوا في كل ذلك: اللهم لا. ثم قالوا: فما هو؟ ففكر، فقال: ما هو إلا ساحر. أما رأيتموه يفرق بين الرجل وأهله، وولده ومواليه، وما الذي يقوله إلا سحر يرويه عن أهل بابل، ويتعلمه منهم. فارتجَّ النادي فرحًا، وتفرقوا معجبين بقوله، متعجبين منه".